الاثنين، 8 يونيو 2009

بين قانون أمن الدولة ودولة أمن القانون 7/12/2008

في العام 2000 وبالتحديد في 25/09/2000 وفي إطار التوجهات الإصلاحية التي دشنت مع بداية القرن الحادي والعشرين صادقت مملكة البحرين على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة. وتم اعتماد الاتفاقية من السلطة المختصة، واعتماد نفاذها في البحرين بتاريخ 1/1/,2001 وهي من أهم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق في العمل التي صادقت عليها المملكة إن لم تكن أهمها جميعا. اعتمدت هذه الاتفاقية من مؤتمر العمل الدولي العام 1958 في دورته الثانية والأربعين في 4 يونيو/حزيران ,1958 وفي هذا العام نحتفي بمرور اليوبيل الذهبي لهذه الاتفاقية المهمة، والتي هي إحدى الاتفاقيات الثمان ضمن إعلان المبادئ للحقوق الأساسية في العمل. وإضافة إلى التمييز القائم على أسس الدين واللون والأصل والعرق والجنس وغيره تحظر الاتفاقية أيضا التمييز على خلفية الرأي السياسي. كان التصديق على هذه الاتفاقية هو أول إعلان للدولة عن التوجهات الإصلاحية في مجال التشريعات، والانتقال من دولة قانون الأمن إلى دولة أمن القانون وكانت هذه هي أول اتفاقية تصادق عليها البحرين في عهدها الجديد، وهي مقبلة على مرحلة التحول من إمارة إلى مملكة. تلا التصديق على هذه الاتفاقية وبعد دخولها حيز النفاذ بأكثر قليلا من شهر واحد وبالتحديد في 5 فبراير/شباط 2001 في عيد الجيش الثالث والثلاثين وفي يوم مشهود للذاكرة البحرينية صدور أمر العفو العام في خطاب ألقاه جلالة الملك (كان يومها أميرا)، ثم لاحقا الأمر بعودة المفصولين لأعمالهم أو تعويضهم. وهكذا انتقلنا من التصديق على هذه الاتفاقية إلى تطبيقها على الأرض، والذي كان يومها محل احتفاء كبير من أوساط جميع فئات الشعب بكافة تياراته ونشطائه. ورغم أن التقدم كان ولا يزال بطيئا فيما يتعلق بباقي أشكال التمييز في الاتفاقية خصوصا فيما يتعلق بالمعتقد والجنس، إلا أنه على صعيد الرأي السياسي بدا أننا نشهد ليس فقط تقدما بل ما يمكن تسميته بالطفرة في تصحيح الوضع بصدور أمر العفو العام. ولأهمية موضوع التمييز بسبب الرأي السياسي ظلت لجنة الخبراء بمنظمة العمل الدولية تتساءل لأكثر من مرة في تعليقاتها وطلباتها من حكومة البحرين، والتي كان آخرها في العام 2007 في إطار الإشراف على تطبيق الاتفاقية ,111 عما إذا كان تعبير ''العقيدة'' CREED الموجود في المادة 18 من دستور مملكة البحرين التي تنص على تساوي الناس أمام القانون دون تمييز هو تعبير يعني أيضا الرأي السياسي، وإذا لم يكن ذلك المعنى متضمنا في هذه المادة فما هو الضابط إذن لضمان عدم التمييز ضد الأفراد في الاستخدام والمهنة على خلفية رأيهم السياسي بحسب لجنة الخبراء. وتنبع أهمية هذا الأمر من مقارنة الوضع الحالي بالفترة السابقة على اعتماد هذه الاتفاقية، والتي كان فيها فصل العمال والموظفين من أعمالهم ووظائفهم أو عدم قبول تقدمهم أصلا للمهنة على خلفية آرائهم السياسية أمرا شائع الحدوث وطبيعيا، بحيث أن كل ناشط كان يتوقع أن تأتي نتيجة فحصه أمنيا سلبا لجهة قبوله في العمل. بل وكانت في بعض الحالات فترة الثلاثة أشهر أشبه بانتظار المحكوم عليه بالإعدام بين الرجاء والأمل، وتسلم مئات البحرينيين خطاب الرفض من العمل في فترة التجربة لأسباب تتعلق بالأمن أو ما يسمى بالبصمات. ومات بعض هؤلاء دون يتاح لهم أن يعودوا لأعمالهم أو أن يحصلوا على تعويض من أي نوع عن فقدان مصدر رزقهم وقطع لقمة عيشهم، وتضرر آلاف الأفراد من النساء والصغار وذاقوا مرارة الحاجة و الحرمان لا لشيء إلا لأن عائل الأسرة كان ناشطا سياسيا. شخصيا كنتُ وبعض الزملاء محظوظين جدا حيث ساقنا القدر في فترة سريان قانون أمن الدولة سيئ الصيت للعمل في شركة كانت تملكها بشكل كامل تقريبا مجموعة من إحدى دول الخليج وقدر لنا أن نكون تحت مسؤولية إدارة خليجية بحرينية لشؤون الموظفين آلت على نفسها ألا تحرم بحرينيا من رزقه حتى لو سجن لأسباب تتعلق بأمن الدولة. وفي الوقت الذي كانت بعض الشركات ملكية أكثر من الملك كما يقال وتقوم بفصل العمال حتى قبل ورود ما يفيد بالسجل الأمني للموظف من إدارة التحقيقات بوزارة الداخلية بل فصلهم حتى لو كانت وزارة الداخلية لم تمنع أصلا بقاء الموظف على رأس عمله ولا تنصح ببقائه بل تكتفي بالصمت. في هذا الوقت كله كانت شركتنا المذكورة تبقي الموظف السجين ضمن الهيكل الوظيفي لحين الإفراج عنه، بل وتقوم بدفع قسطه في الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية مع قسط الشركة حتى إذا عاد لعمله دفع قسطه كدين لحساب الشركة، ولم يفصل من هذه الشركة عامل واحد بسبب يتعلق بأمن الدولة، باختلاف عن كل الشركات والمؤسسات الأخرى بالدولة. ما الذي يحدث اليوم يا ترى؟ هل نحن على وشك انتكاسة وعودة للماضي فيما يتعلق بفك الارتباط بين نشاط العامل السياسي ونشاطه المهني؟ بعد التصديق على الاتفاقية 111 وبعد صدور العفو العام والأمر بعودة كل مفصول لعمله أو تعويضه هل نحن مقبلون على منحنى تراجعي في تطبيق هذا الأمر؟ نشطاء يتعرضون للتعسف والمضايقة فقط على خلفية تعبيرهم عن آرائهم في الصحافة. رموز معارضة يتعرضون للفصل أو لتعقيد عودتهم الطبيعية للعمل بسبب تعبيرهم عن رأيهم السياسي. أي تقرير ستقدمه مملكة البحرين عن هذه الاتفاقية 111 بشأن عدم التمييز وهو تقرير يحل أجله العام المقبل 2009؟ ألا يفترض اليوم ونحن تفصلنا عن دخول هذه الاتفاقية حيز النفاذ في المملكة ثمان سنوات خلت، أن نكون قد قطعنا الصلة بالماضي البغيض ودشنّا بحرين الحريات التي لا مصادرة فيها لرزق أحد بسبب تعبيره عن رأيه السياسي كائنا ما كان هذا الرأي وكائنا من كان صاحب هذا الرأي طالما هو في حدود السلمية وعدم الدعوة إلى العنف؟ لا شك أن ما يحدث اليوم مقلق ونذير بأننا ''قد'' نعود فنجد أنفسنا في شارع البطالة بسبب التعبير عن الرأي السياسي. يحتاج منا هذا التطور المربك لوقفة شجاعة تستند إلى هذه الاتفاقية ونصوصها وتفسيراتها لدى خبراء منظمة العمل الدولية قبل كل شيء. حتى لو قبلنا بأن حق العمل النقابي مجمد حاليا في القطاع الحكومي بسبب اختلاف في تفسير هذا الحق في القانون، فلا يمكن أن ننكر أن أية اتفاقية تصادق عليها المملكة هي بصدد التطبيق على جميع العمال والموظفين بغض النظر عن قطاعاتهم. سنفترض دائما حسن النية في كبار موظفي الدولة الذين يتخذون مثل هذه القرارات بفصل أو مضايقة موظف بسبب رأيه السياسي أو رأيه النقابي، ولكن حتى في حالة حسن النية فإن الدولة غير معفية من أحكام صريحة في هذه الاتفاقية تنص على مسؤولية الدولة عن تعليم وتثقيف موظفيها بنصوص هذه الاتفاقية وتطبيقاتها، وهو ما يجب على الدولة أن تقوم به عاجلا حتى لا يظن أي موظف في مستوى مدير إدارة أو وكيل وزارة أنه فوق القانون المحلي وفوق القانون الدولي ودون أن يجد من يقول له إن ماضي دولة قانون الأمن هو غير حاضر دولة أمن القانون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق