في ديوانه الأخير (لا تعتذر عما فعلت) يقول الشاعر محمود درويش (لا أشياء أملكها لتملكني) ولذلك فهو حر في أن يقول ما لم يقله النواب والعلماء والوجهاء ولجنة العاطلين والنشطاء والنقابيون والجمعيات السياسية والموالاة والمعارضة عن المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2006 والذي بالمناسبة اكتشفوا وجوده فجأة وكأنه لم يصدر في الجريدة الرسمية عدد 2766 يوم الخميس 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006م حيث نشر القانون الذي صدر في القصر الملكي بالرفاع قبل يوم واحد من هذا العدد وهو يوم الأربعاء 22 نوفمبر 2006م. والفارق الآن فقط هو أنه أحيل للبرلمان مثل كل المراسيم بقانون التي تصدر خلال فترة عدم انعقاد المجلس الوطني. النشطاء ليسوا كالناس العاديين، فمن لم يطلع على نص القانون المنشور في الجريدة الرسمية منذ أكثر من ستة أشهر خلت قد نعذره لو كان مواطنا عاديا، لا ناشطا في أي مجال متحملا لمسؤوليته في تمثيل العاطلين أو العاملين أو عموم الناس. كان من الممكن إذن بشكل مبكر ترتيب الوضع لمعارضة إقرار القانون وتطويل فترة إقراره حيث نعلم أن المراسيم بقانون تعرض إما للإقرار أو للرفض. وعلى العكس من ذلك نذكر بأن بيان لجنة الأخوة العاطلين في الأول من مايو/ ايار 2007 يوم العمال العالمي الذي تم توزيعه على نطاق واسع وهتافاتهم في مسيرة يوم العمال كانت تدعو بقوة لتنفيذ القانون بأسرع وقت بل وتلوم الحكومة على التباطؤ في تنفيذ القانون وتعتبره تسويفا وتمطيطا وتملصا من حماية العاطلين. وباختصار كان الدفع والشحن باتجاه تمرير القانون بكل مواده. الأكثر من ذلك أن بعض ممثلي العاطلين كما كنا نتداول قبل إقرار القانون كان سيعتبر فشل النواب في تمرير القانون فشلا ذريعا وجريمة لا تغتفر في حق العاطلين، وأتخيل لو أن البرلمان رفض هذا القانون، ماذا كان سيقال من الكلام والاتهامات عن ‘’النواب الجهلة الذين حرموا العاطلين من تأمينهم، وعن أن الـ 1 % لا شيء أمام قانون سيخدم في أضعف الإيمان جزءا من المحرومين، وعن نواب الوفاق الذين لا يعرفون متى يعارضون ومتى يوافقون، وعن نواب من يسمون بالموالاة الذين خدموا الحكومة وحرموا العاطلين من الفرصة الوحيدة وسيقول النشطاء النقابيون إن البرلمان فشل في إقرار قانون جيد في الحد الأدنى وكان يجب عليهم تمريره.. الخ)’’ وسيكون حينئذ على نواب الوفاق أو الأصالة أو المنبر أن يعتذروا عن رفض القانون ربما أكثر بكثير مما هم مضطرين الآن للاعتذار عن تمريره. بل وربما يقال كلام أكبر وأخطر لوما وتجريحا من الذي يقال الآن. آلآن وقد صدر القانون للتنفيذ ومر من مجلس النواب بعد نشره في الجريدة الرسمية منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي ,2006 لا يملك المراقب إلا أن يفاجأ بكل هذا النشاط ضد الاقتطاع، بل والأغرب من ذلك ادعاء أن هذه الملاحظات كانت موجودة ومؤسسة قبل صدور القانون. في وضع أكثر منطقية كان يجب على النواب والنقابيين أن يفخروا بأنهم في دورتهم هذه مرروا قانونا مهما كانت سلبياته إلا أنه أفضل قانون مر في تاريخ فترة الانفراج منذ صدور قانون النقابات، وهو ثالث قانون تستشار فيه منظمة العمل الدولية وتدلي بآرائها لأطراف الانتاج حوله. ولم يكن أبدا غائبا عن النقابيين إشكالية البند 1 من المادة 6 من القانون قبل صدوره المعنية بالـ 1% من أجور المؤمن عليهم بل و كان هناك اتجاه للرفض لأن من بينهم من هم منخفضي الأجر، لكن خبراء منظمة العمل الدولية أشاروا إلى أربعة محاذير على الأقل: الأول هو أن النظام سيشمل بالضرورة الأجانب مراعاة لمعايير العمل الدولية التي تحرم استثناء العمال الأجانب من التأمين بل هناك مطالبات نقابية دولية وداخلية بشمولهم حتى باقتطاع الـ 5% للفروع الأخرى أيضا، وبالتالي إذا رفض الاقتطاع من المواطن فلن يجوز الاقتطاع من الأجنبي وهذا يعني دفع تأمين تعطل الأجنبي من الدولة وهو أكثر رفضا من الشعب كما هو واضح علاوة على أنه قد يعني من جهة أخرى جاذبية أكبر للأجنبي في بيئة العمل، المحذور الثاني هو أن استثناء المؤمن عليهم من الدفع لم يكن فقط يعني متدني الأجر بل أيضا مدراء ورؤساء تنفيذيين وغيرهم من مرتفعي الأجر، المحذور الثالث هو أن مشاركة المؤمن عليهم في إدارة هذه المحفظة مع المحافظ الأخرى في الهيئة وهي محافظ العجز والشيخوخة والوفاة ستصبح محل جدل لا تسليم طالما امتنع المؤمن عليهم عن الدفع، المحذور الرابع هو امتناع الشريك الآخر أصحاب العمل عن المساهمة، وثمة أسباب أخرى أقل أهمية ذكرت في رأي منظمة العمل الدولية. والآن ما العمل؟ في رأينا هو الدفع بأقصى قوة والمضي قدما من أجل تنفيذ القانون عاجلا من جهة، والدفع لتحسين الأجور وبالتالي تحسين قيمة المقتطع من جهة أخرى، فكل يوم يمر دون تنفيذه يعزز من احتمالات إجهاضه للأسف، بسبب نواب أو نقباء بدأوا يتقلبون في آرائهم تحت ضغط الشارع لا بسبب تفحص ذكي وواقعي للقانون، وعلماء أصدروا فتاوى بحرمة أو عدم قبول الاقتطاع، وناشطين لم يبنوا آراءهم للأسف على دراسة عميقة للقانون ومزاياه وسلبياته وظروف صدوره وبدائله، وعاطلون تهددهم فتاوى التحريم أو تهينهم تعريفات بعض الفقهاء للتأمين بأنه صدقة أو تعريفات بعض المعارضين بأنهم إنما يأكلون في بطونهم نارا وسحتا كما صرح بذلك أحد زعماء المعارضة في ندوة سترة. بالمناسبة نذكر هنا بأن المعارضين والعلماء لا زالوا يصورون الأمر وكأنه تأمين يدفعه العامل للعاطل، بينما المنطق هو أن الـ 1% هي تأمين العامل على نفسه ضد التعطل بينما النسب الأخرى من الحكومة وأصحاب العمل هي التي تعنى بالباحثين عن عمل مع أنها في نفس المحفظةٍ. لن يكون التنفيذ بالطبع نهاية المطاف فمواد القانون نفسه (المادة 25) تسمح بمراجعة الحدين الأدنى والأقصى لكل من الاشتراكات والاستفادات وهي مادة مهمة جدا، كما أن علينا الدفع باتجاه احترام تمثيل الاتحاد العام للنقابات بممثليه المنتخبين من قيادة الاتحاد في الهيئة العامة للتأمينات التي ستدير هذا النظام. ويمكن أيضا الدفع باتجاه التصديق على بعض الاتفاقيات الدولية المعنية بهذا الموضوع لا سيما الاتفاقية رقم 168 لمنظمة العمل الدولية. وكل حرف لاتجاه الرأي العام نحو موضوع الاقتطاع سيكون خطأ بل خطيئة و لن يخدم لا العمال ولا العاطلين في الأجل المنظور.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق