الثلاثاء، 9 يونيو 2009

لا تذرفوا الدموع "خمسية النقابات الأولى" 30/06/2007

ترى هل نحن العرب بكّاؤون بالفطرة؟ هل يستهوينا البكاء والندب من أجل الحزن في حد ذاته؟ لماذا كلما تمر ذكرى يستهوينا النبش في الألم والخسارات بدل تذكر أننا أنجزنا كثيراً أيضاً، وأن عمرنا وتعبنا لم يذهب هدراً؟ بالمقياس السياسي مثلاً ورغم أهمية تذكر حل المجلس الوطني في أغسطس الأسود، كيف لا نتذكر إلا الحل؟ مثلاً لماذا لم نحتفِ بيوم إطلاق المجلس الوطني العام 1973 وذكرى أول انتخابات عامة في دولة البحرين الحديثة بعد الاستقلال؟ لِم لمْ نتذكر يوم العفو العام في العام 2002 ويوم إلغاء قانون أمن الدولة؟ بالطبع قد تكون الأسباب سياسية وهذا مفهوم. أقصد الخشية من أن يستغل احتفاؤنا - كما يرى بعض الناس - من قبل الدولة فتقول إنها أنجزت كذا وكذا فيصبح انتصاراً وبروزاً للدولة، لعل هذا مبرر السياسيين. لكن من يقول إن يوم العفو العام وإلغاء قانون أمن الدولة هو إنجاز الدولة وحدها. حين نحتفل بمناسبة كهذه ونفرح و«نهيص» فهو احتفاء أيضاً بما أنجزناه نحن أيضاً. لو ادعت الدولة أنها وحدها وراء ذلك فليكن. لكن نحن قادرون على أن نصنع حكايتنا الكبرى أيضاً، أو حتى أسطورتنا ففي النهاية، الحكايات تصنع والتواريخ تدون. ومثلما نعيد استثارة الحزن في يوم ذكرى حل المجلس الوطني فلا ضير أن نتذكر مشاعر مئات الأمهات والآباء الفرحين وهم يستقبلون ذويهم العائدين من المنافي أو الخارجين من الأقبية والسجون غداة العفو العام. إن كان احتفال كذا يعطي رصيداً للحكم وكأنه أنجز كل شيء فنحن قادرون أيضاً على مشاركته هذا الرصيد. المهم أن نخرج من جو الاحتفاءات المأتمية فقط بخسائرنا، وكأن وظيفتنا هي فقط الندب والبكاء، كل ذلك حتى لا يقال إن الوضع قد تحسن وحتى لا تستغل الدولة ذلك. في حديثي مع أحد زملاء المعارضة قلتُ له نحن نشبه من ذهب ليقطف من غابة تفاح وضحى في سبيل الوصول إلى هذه الغابة وظل يرمي الغابة بأحجاره حتى تساقط التفاح وظل يتساقط، وفيما هو منشغل برمي الغابة نسي أن يتوقف قليلاً ليلتقط أنفاسه ويحتفي بالتفاح الذي بين يديه. ثمة من يروج لفكرة أولوية مواصلة الرمي على جني التفاح.أشعر أحياناً كثيرة أن ليست للأمر علاقة بتكتيك سياسي. ثمة سيكولوجية غامضة وثقافة متجذرة في أعماقنا. نحن نبدو كأننا مسوقون بالفطرة لتذكر الآلام. هي خصيصة عربية أصيلة. خذ مثلاً الندب على نكسة ,1967 لماذا كل هذا البكاء لا يعادله الاحتفاء بنصر 56 في حرب الاستنزاف ونصر حرب الجنوب 2006 ونصر حرب أكتوبر/ تشرين الأول .7319 الآن أعود لعنوان هذا المقال. أمامي الآن لقاء صحافي مع بعض النقابيين الزملاء بشأن الوضع النقابي. من يقرأ هذا اللقاء لن ينقصه سوى أن يعلن مجلس العزاء. بالطبع هناك مشكلات ومفصولون ومعاناة عظيمة لا تنكر في الوضع النقابي. لكن في ذكرى مرور السنوات الخمس الأولى على إصدار المرسوم 33 لسنة 2002 بقانون النقابات والذي صدر في 24 سبتمبر/ أيلول 2002 بمحضر من قيادات التنظيم العمالي آنذاك لدينا بالتأكيد كثير مما نعتز بإنجازه. صدر القانون واندلعت حمى تأسيس النقابات كالنار في الهشيم ووجد واقع اقتصادي جديد لم يعد فيه العامل مجرد أداة تستخدم وتلقى، بل أصبح شريكاً فاعلاً في كثير من المؤسسات. ونحن لا نتحدث فقط عن الشركات الكبرى، حيث كان لميراث وجود اللجان العمالية السابقة دور في إيجاد سوابق نقابية تسهل الاحتكام إلى آليات التفاوض وتحقيق الإنجازات، وإن كانت هذه تجارب مهمة. لكن، نحن نتحدث عن شركات لم يكن فيها يوماً أي شكل من أشكال التمثيل العمالي استطاعت بعد وجود النقابات بفضل العمل النقابي أن تنجز وتحقق اختراقات في مستويات الأجور والعلاوات وظروف وشروط العمل. نحن نتحدث عن نقابيين يخوضون للمرة الأولى في تاريخهم ميدان العمل النقابي تمكنوا بجهدهم الذاتي في مؤسسات صغيرة ومتوسطة وكبيرة من تحريك المياه الراكدة في العلاقة مع صاحب العمل وفي وضع العمال ومستويات أجورهم وسلمهم الوظيفي هل كل هذا عبث وبلا طائل؟ لقد تم القفز على ذلك كله في اللقاء المذكور وكأن الوضع النقابي ليس فيه غير المعاناة والتسييس والفصل والتهميش والإقصاء والإلغاء والتجاوز والانتهاك والمضايقات والتعسف إلخ من مفردات قاموس العذاب. على العكس مما تظهر الصورة الميلودرامية، أرى أن ما تحقق على الأرض اليوم منذ صدور القانون حتى اليوم كثير، ومن الواجب أن يشار إليه، ولا يستطيع أي مراقب اليوم أن ينفي أن الوضع في الساحة العمالية أفضل مما كان عليه قبل قانون النقابات، وأن العمال يسيرون في الاتجاه الصحيح. وإضافة إلى ما أنجز على صعيد الملفات العمالية في معظم مواقع العمل يحظى عمال البحرين اليوم باحترام دولي وانتماء عير مسبوق للمنظمات العمالية الدولية والعربية وتمثيل في الهيئات ثلاثية الأطراف وتنامي في الوعي النقابي وحراك تأسيسي في كل المؤسسات وجدل صحي - بغض النظر عن الجدل الكيدي - داخل الساحة النقابية. كيف يكون كل هذا مجرد مآسٍ ودموع.لقد كانت هذه السنة 2007 سنة عمالية بامتياز ففيها تمر ذكرى اليوبيل الذهبي لأول قانون عمل في البلاد العام 1957 والذي صدر بعد تشاور ثلاثي، وهي مناسبة، وإن كانت لتذكر آلام قانون العمل الحالي من جهة وتذكر غياب ممارسة العمل النقابي رغم تشريعه قانوناً من 5719 حتى 2002 من جهة أخرى، فهي مناسبة أيضاً لا تقل أهمية لتذكر أن كل ما نعيشه اليوم من إجازات وساعات عمل مقننة وامتيازات هي بفضل هذا القانون الذي - فيما عدا الوضع النقابي - شكل أرضية لكثير من تشريعات قانون العمل الحالي. كما كانت هذه السنة أيضاً هي ذكرى اليوبيل الفضي لتأسيس اللجنة العامة لعمال البحرين في ,1982 ورغم تدني مستوى الصلاحيات والتمثيل العمالي في هذه اللجنة، إلا أنها مناسبة أيضاً للقول إن قيادات تعاقبت على هذه اللجنة واللجان التابعة لها في مواقع العمل تمكنت من تحقيق الإنجازات التي جعلت معظم النقابات فيما بعد مرحلة اللجان تنتقل من المطالب الأساسية إلى المطالب التكميلية وهي مدينة كنقابات لتلك اللجان بكثير من الملفات المنجزة مسبقاً. وعلى صعيد التمثيل العربي والدولي كان سقف هذه اللجنة بفضل نضال بعض قيادييها أعلى من سقف القمع الرسمي، بل أعلى من سقف منظمات نقابية عربية كثيرة أعرق تاريخاً وأكبر حجماً. ومن أهم مواريث هذه اللجنة للوضع النقابي الحالي هو ميراث الاستقلالية من الهيمنة الرسمية، ففي ظل وضع قانوني غير موات استطاعت اللجنة العامة أن تمشي على حد السيف بين العمل في إطار الممكن والبقاء وبين عدم الخضوع لإملاءات وإكراهات وزارة العمل. نقول هذا لا لنصرف أعين النقابيين عن معضلات الوضع النقابي ولا لنلمع الوجه الرسمي ولا لنصادر حق النقد، بل لنرى العمل النقابي على حقيقته يحتمل الوجهين الألم والأمل، العذاب والعذوبة، الانتصارات والانكسارات، ونوصي على الزملاء بأغنية شهيرة قديمة تقول: أي دمعة حزن لا.. لا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق