الاثنين، 8 يونيو 2009

دروس من العمال في عيدهم 29/04/2007

باقتراب يوم العمال العالمي الأول من مايو نحاول أن نستقرئ أهم ما على أجندة النقابيين العماليين وهم يستقبلون عاما جديدا يبدأ بغرة مايو. لقد أبلى العمال بلاء حسنا بخلاف كل الفئات حتى أننا لن نبالغ لو قلنا إن على الحركات السياسية أن تتعلم من نقابييها وناشطيها العماليين دروسا كثيرة قبل أن تعلمهم. فعلى أكثر من صعيد كان الطرف العمالي قد أنجز الكثير في مختلف الاتجاهات بينما ظل العمل السياسي حتى الآن يراوح مكانه ويتكلم كثيرا وينجز قليلا. لقد أدت التجربة التنظيمية العلنية الطويلة السابقة على قانون النقابات ومدتها عشرون عاما 1982 - 2002 هي عمر اللجنة العامة لعمال البحرين إلى وجود إرث ضخم من النشاط العلني المطلبي والنقابي مدته تقارب الربع قرن عاصرت فيه الأطر العمالية ومارست كل ما كان مصادرا ومن أهمه الممارسة الديمقراطية الهرمية على مستوى الوطن بأكمله. وحين كان الهيكل الدستوري التشريعي (البرلمان) مغيبا كان التنظيم العمالي ينتخب قياداته من القاعدة في ثماني عشرة لجنة مشاركة في المنشآت الرئيسية في البلاد مكونا جمعية عامة تصل إلى تسعين مندوبا يقومون بدورهم باختيار أحد عشر عضوا للهيكل القيادي الأعلى وهو مجلس إدارة التنظيم العمالي. وبينما كانت الحركات السياسية تمارس نشاطها السري في التواصل مع الداخل والخارج كانت الحركة العمالية تحضر المؤتمرات وتقيم الملتقيات الدولية داخل البلاد وخارجها، وكل هذه العلنية أدت إلى أن العمال ومنظمتهم الاتحاد العام والنقابات المنضوية تحت مظلته هي التي تمسك اليوم بزمام المشهد الاجتماعي وهي الكيان الأكثر حراكا وتماسكا في البلاد بعد بروز النشاط السياسي العلني. جاءت الحركات السياسية من المنافي وخرجت من تحت الأرض إلى السطح بعد مشروع الانفراج الأمني والسياسي وحملت معها سلبيات العمل السري فلم تكد تبرز بينها خلافات بسيطة حتى تشظى اليسار إلى يسارات والإسلام إلى إسلامات بينما استمر التنظيم العمالي موحدا وازداد قوة وتوسع قاعدة وبدت خبرته واضحة وهو يتعامل مع ملفات كثيرة وكبيرة ومعقدة. وثمة دروس كثيرة أسداها الجسم العمالي للتكوينات السياسية لو أخذت بعين الاعتبار لربما كانت مفرزات النشاط السياسي مختلفة لتصبح أكثر إنتاجا ووصولا إلى أهدافها. ونختصر هنا هذه الدروس بقدر ما تسمح به مساحة هذا المقال المحددة فيما يلي: ؟ على مستوى الممارسة في الوقت الذي كان على عديد القوى السياسية المعارضة أن تمر بتجربة مقاطعة فاشلة مدتها دورة كاملة لتدرك أهمية الانتقال من لعن الظلام إلى إشعال شمعة كان العمال قد أدركوا بحكمة الخبز أن عليهم أن يستغلوا القدر المتاح من الممارسة بالتنظيم العمالي حتى ولو بمسمى أقل من نقابة ليمارسوا عملا نقابيا بالدفاع عن مصالح العمال وحماية مكاسبهم، ولازالت أفضل الانجازات التي تحققت للعمال في المنشآت واستمرت حتى اليوم هي تلك التي أسستها اللجان العمالية. ؟ على مستوى التشريع وقبل أن تفكر الحكومة في صياغة آلية أو قانون لتنظيم العمل النقابي قام التنظيم العمالي الموجود على أرض الواقع في مطلع القرن الواحد والعشرين بتقديم مقترح قانون للنقابات مدعوم بخبرة واستشارة عربية ودولية اضطرت الحكومة فيما بعد للتفاوض بشأنه بعد أن استراتيجية أخرى بتحويل مسمى التنظيم من اللجنة إلى الاتحاد واكتسب اعترافا عربيا ودوليا جعل الطرف الحكومي يقر بوجوده ويتفاوض معه تحت هذا العنوان. ؟ على مستوى المرأة وفي الوقت الذي أخفقت فيه المرأة في الوصول إلى مناصب قيادية في مختلف التنظيمات وأقصيت في الانتخابات البلدية والتشريعية كانت اللجنة العامة قبل ذلك بزمن طويل قد تمكنت من اختراق حاجز الجندر وجاءت بامرأة في سدة قيادة التنظيم وفي قيادة اللجان العمالية في موقع العمل. ؟ على مستوى التكوين تجاوز العمال منذ زمن بعيد تقسيمات الطائفة والاتجاه السياسي والأيديولوجي فمنذ أكثر من عقدين من الزمن تداخلت في قيادة اللجان الفرعية واللجنة العامة كل الأطياف المختلفة من يسار وإسلاميين من مختلف الأطياف تحت قبة البيت العمالي بينما جاءت التنظيمات السياسية على العكس فأحيت هذه التصنيفات.؟ على مستوى الرؤية ووضوح الأهداف يكاد يكون التنظيم العمالي اليوم - على رغم اعترافنا بضعف البنية التنظيرية والإدارية حتى الآن - هو أكثر كيان في هذا الوطن يعرف ما يريد وما لا يريد، وعبر عن ذلك في مختلف مذكراته للسلطة التنفيذية والتشريعية، بينما تعرف حركاتنا السياسية ما لا تريد ولكنها غير مبلورة الرؤية فيما تريد. ولا نبالغ لو قلنا إن هذه الظاهرة ليست أمرا جديدا في تاريخ عمال البحرين فحتى قبل خمسين عاما بالضبط يوم صدر أول قانون عمل بحراني العام 1957 كان العمال قد استمروا عبر مندوبيهم في التفاوض بشأن مشروع القانون حتى بعد أن ضربت الهيئة وتشرذمت الحركة السياسية ولم يربطوا مصيرهم بعجلتها. ثمة دروس أكثر من هذه التي عرضنا لها هنا على الحركات السياسية أن تعيها وتحترمها، وعليها أن تعتبر نقابييها هم مخزون خبرتها التي يجب أن تنهل منه لا العكس، ولكن الأهم من كل ذلك هو أن يعي عمال اليوم أيضا هذه الدروس فيدركوا أنهم يحملون فوق أكتافهم إرثا من النضال التنظيمي السلمي العلني لم يحظ به أي فصيل سياسي في البحرين على الإطلاق، وبقدر ما هو ميزة بمنظور المقارنة مع التشكيلات السياسية فهو عبء أيضا بمنظور المحافظة عليه وتعميـقه وإدامته واستثماره لصالح مستقبل أكثر شبابا وقوة للحركة العمالية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق