الثلاثاء، 9 يونيو 2009

نحو منظومة خليجية شعبية موازية 25/11/2007

في مداخلته القيمة بشأن الوضع الحقوقي بمنطقة الخليج العربي وضعف أو غياب الشرعية التعاقدية لأنظمة دول مجلس التعاون والتي قدمها في الدورة التدريبية الإقليمية لحقوق الإنسان لدول الخليج واليمن، والتي نظمها مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، بالتعاون مع الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان من 21 - 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري في البحرين، أشار المدرب الحقوقي عبدالنبي العكري إلى أن جميع قوى المعارضة تقريباً أفراداً ومنظمات وتكتلات قد توافقت ضمناً منذ أكثر من عقد من الزمن على الاعتراف بشرعية أنظمة الأمر الواقع القائمة في ظل حكم العائلات الحاكمة في المنطقة، وآمنت بالتطوير السلمي للأنظمة، خصوصاً بعد ما رأيناه في تجارب دول عربية أخرى وما أدت أو قد تؤدي إليه من مواجهات لا تأخذ في اعتبارها مصلحة استقرار وازدهار المنطقة ومصلحة إنسانها قبل كل شيء في السلم والأمن والتنمية والتقدم.لقد ترتب على هذا التحول - بحسب العكري - أن الأجندة الآن أصبحت هي دمقرطة هذه الأنظمة، وصياغة مشروع تعاقدي ينقل الوضع السياسي لهذه الأنظمة من وضع الأمر الواقع إلى وضع الشرعية التعاقدية. وأشار إلى أن تحولات إيجابية تأخذ طريقها الآن وإن لاتزال خجولة جداً ومتعثرة وبطيئة لا تتناسب مع طموحات شعوب المنطقة باتجاه وضع أنظمة أساسية أو دساتير عبر هيئات شعبية تشريعية منتخبة. والحق أن منظومة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ورغم أنها عند تأسيسها كانت محل قلق وتوجس الكثيرين الذين رأوا فيها آنذاك - ربما عن حق - ذراعاً أميركية لمواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان واندلاع الثورة الإيرانية، إلا أنها الآن وبعد مرور ربع قرن على إنشائها قد أخذت منحى آخر، فهي اليوم منظور لها كأفضل التجارب التي لاتزال حية على أرض الواقع لمشروع وحدوي عربي إقليمي، خصوصاً بعد فشل التجارب المثيلة، أو تعثر ما بقي حياً منها وهو الاتحاد المغاربي، الذي لم يعقد غير قمة واحدة فقط منذ العام ,1994 فيما استمرت بلا انقطاع قمم دول مجلس التعاون وإن كانت إنجازاتها لاتزال دون تطلعات شعوب المنطقة وقوى المجتمع المدني فيها، وهو على أية حال أمر أصبح معترفاً به حتى على لسان زعماء هذه المنظمة مثل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وغيره من الزعماء الذين عبروا عن أملهم في أن تكون قمة التعاون 2007 قمة مختلفة وملبية لتوقعات مواطني هذه المنظومة. غير أن أهم ما ينقص هذه المنظومة حتى الآن ورغم التقدم الحاصل - على الأقل باستمرارها - هو غياب المنظومة الشعبية الموازية لها، والتي هي موجودة على أرض الواقع من دون تنظيم عام لها، إذا ما أخذنا في الاعتبار، ثلاثة اتحادات عمالية في الكويت والبحرين وعمان هي، الاتحاد الإقليمي لغرف التجارة والصناعة، مئات المنظمات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني في حقوق الإنسان والبيئة والجمعيات المهنية. كل ذلك مضاف إليه آلاف الأفراد الناشطين كمستقلين في العمل الميداني مدنياً وحقوقياً، يؤكد وجود بنية إنشاء منظومة شعبية موازية لو توافرت النية لدى الناشطين من أفراد ومنظمات للمضي قدماً بهذا الاتجاه. المفارق هنا أن الاتحاد المغاربي الذي مازال يتعثر رسمياً - أو ربما بسبب ذلك - لديه تنظيمات مغاربية شعبية منذ زمن، منها التنسيقية المغاربية لحقوق الإنسان، الاتحاد المغاربي للشغل (الاتحاد النقابي)، وغير ذلك من المنظمات المهنية على المستوى المغاربي بأكمله. وفي الوقت الذي يتعثر فيه عقد القمة المغاربية الرسمية بسبب خلاف الجزائر والمغرب على موضوع الصحراء، تستمر المنظمات الشعبية الموازية في الاجتماع والعمل المشترك، وقد تكونت على مدى هذه السنوات تقاليد عمل مشترك رائع بين المنظمات المغاربية على المستوى العمالي النقابي، والمدني. إن الظروف التي قادت لهذا الوضع الذي ارتقى من التنسيق إلى التنظيم في الاتحادات والمنظمات المغاربية، من وحدة التاريخ وتشابه الثقافة والقيم وطرق العمل والهموم، هي نفسها وربما أكثر منها موجودة لدى شعوب دول مجلس التعاون.وإضافة إلى ذلك كله، فإن النيات الحسنة على ما يبدو - ظاهرياً على الأقل - موجودة الآن رسمياً، أو على قرب من الدوائر الرسمية وصناع القرار في المنطقة باتجاه خلق تحولات في بنية الدولة تفسح مكاناً أكبر للشراكة الاجتماعية. كما أن التحديات هي ذاتها تقريباً، ولعل أهمها تسارع التحولات من دولة الرعاية إلى دولة الاقتصاد الحر، وتزايد القلق من ارتفاع نسبة قوة العمل الأجنبية من مجموع قوة العمل، وتحديات العولمة والمنافسة التي تتعرض إليها دول المجلس، وغياب البنية التشريعية التي تجعل أنظمة الدول تصل إلى مصاف الديمقراطيات العريقة، كل ذلك وتأسيساً على ما هو موجود من تشريعات يمكن العمل في ظلها بالحد الأدنى من الحرية، يمكن أن تدفع باتجاه هذه التشكيلات الموازية. لقد بيّنت الدورة الأخيرة أعلاه كم على ضفاف هذا الخليج الطيب من عاملين بصمت وتواضع من أجل مستقبل أفضل. وسترتكب المجتمعات التي حققت تقدماً محسوساً في البحرين والكويت وعلى درجات أقل في دول أخرى، خطأ مميتاً إن هي قنعت بأن تبقى محصورة في داخل دولها، تاركة باقي الإقليم لمصيره، حيث تحتاج تنمية المجتمع المدني إلى فلسفة هجومية تتوسع باتجاه كل ضفاف الخليج، لخلق مزيد من خطوط الدفاع عن هذه التجارب الهشة وإلا فإننا قد نكرر درس تجربة الكويت التي كانت رائدة في مجال الحقوق والحريات والتي تكالبت عليها القوى المضادة للتغيير لتنهي بالقوة أو بالسياسة ما حققته الكويت عبر ثلاثة عقود من تاريخها كدولة، من تقاليد العمل الديمقراطي ولتعود الكويت تمشي على الدرب من أوله كما بدأته أول مرة. بالطبع لا نتفاءل بأن حلق منظومة موازية تتكون من جميع المنظمات غير الحكومية هو أمر مرحب به رسمياً، ولا أيضاً عقد قمة شعبية موازية مع كل قمة رسمية في ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، لكنه تحد جدير بأن نخوضه. وتظل مقولة «الحقوق تؤخذ ولا تعطى» صالحة دائماً، فقط مع تجريدها من مدلولات العنف اللفظي والعملي وشحنها بمدلولات الكفاح السلمي التضامني والتنظيمي، فمن يدري لعلنا نكون أول إقليم يشهد قيام لجنة إقليمية عربية لحقوق الإنسان ومحكمة حقوق إنسان أو محكمة بيئية تعاقب من يلوثون هذا الخليج الضحل المغلق الذي ليس مكاناً للنقل البحري فقط، بل مصدرنا الوحيد للمياه المحلاة، أو اتحاداً إقليمياً للصحافة، أو غير ذلك من المنظمات الإقليمية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق