إن من أهم ما جاءت به التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم في العقود الأخيرة من القرن الماضي هو التحول في النظر إلى موضوع علاقات العمل بين أصحاب العمل والعمال من علاقة صراع طبقي إلى علاقة شراكة وتفاهم، ولم يعد الموقع الطبقي لكل منهما مصدرا لخلق صراع دائم على جميع المستويات لا ينتهي إلا بزوال أحدهما، لم يعد هذا الموضوع على أجندة أطراف العملية الانتاجية اليوم، فهناك إحساس يتزايد بأن المشكلة الرئيسية التي على الطرفين العمل على حلها هو مقدار نصيب كل طرف منهما من عائد الانتاج سواء كان هذا القدر في شكله المادي المباشر أو في شكل الوقت وساعات العمل أم في أشكاله الأخرى غير المباشرة من الأمور العينية أو الامتيازات بعيدة وقريبة الأجل. وعلى خلفية الجدال بين الطرفين بشأن هذا النصيب المستحق والذي يمنحه صاحب العمل للعامل يأتي أيضا الشكل الذي يدار به هذا النزاع وقد ارتضت الحضارة الحديثة الشكل التمثيلي لكل طرف حيث يتمثل العمال وأصحاب العمل بمنظماتهم. إذا استبعدنا هذين الموضوعين وهما مقدار حصة كل طرف من العائد وشكل النزاع بين الطرفين فلا يوجد أي موضوع يستحق أن يعتبر رئيسيا في علاقات العمل. ومع يوم الأول من مايو الأخير الذي يعد رابع عيد للعمال في البحرين منذ اعتباره إجازة بمرسوم ملكي، يبدو أننا نتجه أكثر فأكثر باتجاه توافق بين العمال وشركائهم أصحاب العمل على جملة من الثوابت تشكل أرضية واسعة وصلبة لخلق علاقات عمل متطورة ونموذجية. وينظر لتجربة البحرين في هذا المجال باهتمام كبير في الإقليم حيث على غير العادة خليجيا تمثل قوة العمل الوطنية في البحرين ما يقارب 50% من قوة العمل في القطاع الخاص وهي آخذة في الازدياد مع التوجهات الاقتصادية التي تريد أن يكون للقطاع الخاص دور قائد في العملية التنموية. وإذا ما نجحت تجربة العلاقة التشاركية بين أصحاب العمل والعمال في البحرين فسيكون ذلك رسالة إلى المحيط الخليجي باتباع نموذج مماثل. لقد جاء يوم الأول من مايو الأخير بجملة من الإشارات على توجه عقلاني نحو صياغة علاقات جدية للعمل تحتل فيها مسألة الإيمان بمعايير العمل الدولية موقعا مهما، وتمثلت هذه الإشارات فيما يلي: توقيع بروتوكول أو مذكرة تفاهمية بين رئيسي غرفة تجارة وصناعة البحرين الدكتور عصام فخرو ممثلا لأصحاب العمل والأمين العام للاتحاد العام للنقابات عبدالغفار عبدالحسين عبدالله ممثلا للعمال بتاريخ 24 أبريل/ نيسان 2007 بموقع الغرفة وهي مذكرة عملت على صياغتها لجنة مشتركة من الطرفين تبادلت مسودة المذكرة لكي تصل إلى توافق بشأن نصوصها وكان من أهم ما ورد فيها مراعاة معايير العمل الدولية و نصوص قانوني العمل والنقابات واحترامهما ودعوة الطرف الحكومي لاحترام مبادئ الشراكة مع الطرفين في صياغة القوانين والعمل على حل المشكلات الميدانية بين العمال وأصحاب العمل قبل تفاقمها وعبر وضع آليات مفاوضة جماعية مفيدة للطرفين، وكذلك دعوة الدولة لدراسة اتفاقيات العمل الدولية بهدف التصديق عليها. كلمة الدكتور عصام فخرو رئيس الغرفة في حفل يوم الأول من مايو والتي جاءت معبرة بحق عن رؤية جديدة ومتميزة لعلاقات العمل حيث أكد على احترام الحق النقابي وحق العمال في استخدام الوسائل القانونية المشروعة بما في ذلك الإضراب من أجل الدفاع عن مصالحهم وتحقيق مطالبهم. لقاء جلالة الملك مع قيادة الاتحاد العام وتأكيده على أن القيادات النقابية في البحرين تتمتع بالوعي والحرص الكافي على الاستقرار والتطور الاقتصادي والاجتماعي، والتوازن في تحقيق مصالح العمال وشركائهم. إذا ما أحسنا النية وتجاوزنا أجيالا من الشك والريبة بين الطرفين، لم نتمكن فيها من خلق لجنة مباشرة بينهما كالتي توصلنا إليها حديثاً وصياغة مذكرة تفاهم كهذه الأخيرة والتي هي أول خطوة من نوعها في تاريخ الطرفين معا، فيمكننا القول إننا باتجاه ابتكار على المستوى الخليجي نستطيع تسويقه والدعوة لتبنيه إقليميا مع الأخذ بالاعتبار أن ليس كل المشكلات سيمكن حلها بعصا موسى، ولكن يجب أن يـُـعمل على حلها، وأن يكون هذا العمل المشترك مستغنيا في بعض الأحيان عن تدخل الوزارة بحيث يكون تدخل هذه الأخيرة فقط عند عدم قدرة اللجنة المشتركة على حل الموضوع وديا. لكن هذا بالطبع سيتطلب أن يكون لمنظمة أصحاب العمل (الغرفة) هيكل تنظيمي وقدرة تنظيمية قادرة على صناعة القرار الذي تتبناه المنشآت مثلما أن الاتحاد قادر الآن في معظم الحالات على صناعة القرار الذي تتبناه النقابات، طبعا دون فرض أو إكراه، بل بالاقناع والإيمان بأن منظمتي العمال وأصحاب العمل هما المعنيتان بتمثيل مصالح أعضائهما والدفاع عنها بالوسائل المشروعة كافة.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق