بعد نحو ستة شهور يحل أجل المؤتمر العام الأول للاتحاد العام لنقابات عمال البحرين الذي عقد مؤتمره التأسيسي في 12 - 41 يناير/ كانون الثاني عام 2004 بحضور عربي ودولي ومشاركة 148 مندوباً من النقابات الأساسية وبعضها عامة قي قطاعات معينة وبحضور ست نقابات شكلها العمال بإرادتهم الحرة المستقلة في القطاع العام غير عابئين بتعميمات تناقض دستور البلاد وميثاقها الوطني وقانون النقابات 33 لسنة .2002 ولم يكن عقد ذلك المؤتمر سهلا فقد مورست آنذاك ضغوط ليست هينة لكي يتم تأجيل المؤتمر لأسباب ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ولكن العمال الذين كانوا قد أسسوا بإرادة حرة ومستقلة نقاباتهم في المنشآت بدءاً من نقابة ديلمون للدواجن التي تأسست قبل صدور القانون ثم نقابة عمال البتروكيماويات التي أشهرت يوم 24 سبتمبر/ أيلول 2002 أصروا على أن يمضي عقد المؤتمر في موعده المحدد. وإذا كان من دروس على الحركة النقابية أن تتعلمها من أخطاء وإنجازات المؤتمر التأسيسي فهو درس الوحدة النقابية والديمقراطية النقابية قي الوقت نفسه. وإذا كانت الحكمة تقول انظر كيف يفكر خصمك تعرف موقعك، فإننا لا نقول إن الحكومة خصم، لكنها بالطبع طرف مختلف من أطراف العملية الاجتماعية له بطبيعة الحال أجندته التي تختلف عن أجندة العمال وأصحاب العمل. ولو لم يكن من التعددية إلا التهافت الحكومي على تثبيتها في تعديلات قانون النقابات حتى تم إسقاط اسم الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين من القانون واستبداله بمسميات غير واضحة تكشف عن فقر قانوني ونقابي وتشريعي بشأن النقابات وعن قلة الخبرة وغياب مذهل للرؤية، حول ماذا يريد المشرع لكفى ذلك إبرازا لمشكلة التعددية. وليس أدعى للمفارقة من الإدعاء الحكومي بأن ذلك كان من متطلبات اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي ما زالت هناك متطلبات أهم بكثير لم تنجز من أجل سريان الاتفاقية، من أهمها غياب سياسة واضحة وتشريع واضح لحقوق الملكية الفكرية، وإيجاد نظام شفاف لترخيص المشروعات، وتطبيق سياسة الشفافية ومحاربة الفساد التي تنص عليها الاتفاقية في الفصل السابع عشر، فهل كانت التعددية النقابية هي العقبة الوحيدة أمام توقيع الاتفاقية، أم أن حذف مسمى الاتحاد العام كان غرضا قديما يبحث عن مبرر. كان في وسع الحكومة أن ترسل للاتحاد العام على الأقل مسودة التعديلات المقترحة قبل تحويل المشروع للبرلمان، أو أن تجلس على الأقل مع الاتحاد العام في جلسة تشاورية خصوصا وهي تعلم أن قانون 33 لم يوضع مثل بقية القوانين في البلاد من خلال طرف واحد بل من خلال مفاوضات استمرت بين العمال والحكومة شهورا عديدة، هي الفترة الفاصلة بين مايو/ أيار وسبتمبر/ أيلول ,2002 بل إن اتفاقية التجارة الحرة تنص على التشاور مع أصحاب المصلحة قبل وضع تصور للتشريعات أو أثناءه. وفي مناقشة التعديلات الأخيرة في غرفة الشورى السابقة سأل وفد الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين أعضاء اللجنة التي تناقش تعديل القانون 33 وبحضور مستشار وزارة العمل، عما هو مقصود بأن لكل نقابتين أو أكثر تشكيل اتحاد، هل يتحدث التعديل عن اتحاد نقابي داخل قطاع أم اتحاد نقابي داخل منشأة، أم اتحاد نقابي على مستوى البلاد أم ماذا، وكان واضحا أن أحدا من المجتمعين لا يملك أية إجابة!! ومع ذلك صدر التشريع بأسرع مما توقع الكثيرون بتعديل القانون 33 وحذف مسمى الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، وتحويل المادة 9 المعنية بمهام الاتحاد العام لتصبح هذه المهام موكلة إلى أي اتحاد بين نقابتين مع بقاء هذه المهام كما هي، بل وأضيف لها المزيد، في علامة على أن واضع هذا التعديل كان من التخبط بحيث إنه لم يميز بين اتحاد عام يكون عادة من شأنه في كل المجتمعات تحديد السياسة النقابية في البلاد وبين اتحاد قد يقام داخل منشأة أو داخل قطاع أو داخل منطقة واحدة. لكن ربما كان على المرء أحيانا أن يحمد هذا التخبط، إذ ربما أعطى ذلك الحرية للاتحاد العام أن يسمي نفسه بما يراه مناسبا ـ مثلما غير الاتحاد العام لنقابات عمال الكويت مسماه إلى الاتحاد العام لعمال الكويت ـ حسب ما تقرره هياكله في ضوء التوجه إلى نقابات القطاعات، أو غير ذلك من الهويات التي سيحق للاتحاد العام منذ الآن استخدامها لا طبقا لأي قانون بل لقرار هياكله. اليوم ثمة ما يثبت المزيد من هذا التخبط، فبينما كان العمال ينتظرون إحالة المادة العاشرة من القانون 33 لسنة 2002 يما يرفع من سريان تعميم ديوان الخدمة المدنية رقم 1 لعام 2003 بقرار حرمان عمال القطاع الحكومي من ممارسة حقهم القانوني في تنظيم أنفسهم نقابيا، جاء المشروع الحكومي المقدم للبرلمان بالتعديل الذي يراد منه إكمال حلقة التفتيت النقابي بإلغاء النص الذي يمنع من تشكيل أكثر من نقابة في المنشأة الواحدة ومرة أخرى بسبب ما يسمى بالديمقراطية التي تتطلبها اتفاقية التجارة الحرة. إذا أضيف هذا الهوس الحكومي بتعديل بعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر كما يقال، التجارب العملية للتعددية في البلدان العربية والتي أصبحت مصدر تندر وتنكيت النقابيين في المغرب مثلا حيث يوجد الآن ستة وعشرون اتحادا نقابيا كل منها يتبع حزبا معينا وكلها يدعي وصلا بليلى العمالية - وليس العامرية - وحيث يصطف نقابيون مع وزير الشغل أو العدل مثلا لأنه من جماعتهم للتغاضي عن انتهاك مدونة الشغل ‘’قانون العمل المغربي’’ وما يجري في لبنان حيث يتندر النقابيون اللبنانيون بالقول، من لم يكن له شغل فليؤسس اتحادا عماليا، حيث فاق عدد الاتحادات الخمسين اتحادا جهويا وقطاعيا وغير ذلك مع تشابه طبيعة القطاع أو المهنة بينها أحيانا، كل هذا يعلمنا أين نقف ونحن ماضون للمؤتمر العام. بالطبع هناك سؤال الديمقراطية التي تجعل لكل الآراء أن تعبر عن نقدها بحرية لأداء المنظمة العمالية وأن يكون الباب مفتوحا لمشاركة الجميع، على أسس عمالية تحترم مصالح العمال وتنأى بهم عن ضيق الأفق داخل جمعياتهم وعقائدهم باتجاه وحدة عمالية وبهذا فقط يمكن لحديث تعددية الاتحادات والنقابات أن يكون أمنيات خصوم العمال فقط، حتى لو عدلوا التشريعات فإن للعمال رأياً آخر في نهاية الأمر.
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السير
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السير

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق