من ضمن اتفاقيات منظمة العمل الدولية ثمة ثمان اتفاقيات تسمى باتفاقيات الحقوق الأساسية في العمل وهي الاتفاقيات التي تضمنها إعلان المبادئ للحقوق الأساسية في العمل الصادر العام 8991 كأداة تحفيز للتصديق على هذه الاتفاقيات التي تمثل الحد الأدنى من الحقوق في العمل والتي بدونها لا يمكن الحديث عن وجود عمل لائق وعلاقة عمل لائقة بين العمال وأصحاب العمل والحكومات. وتتميز هذه الاتفاقيات بأن على الدول الأعضاء المصدقة عليها موافاة منظمة العمل الدولية بتقرير عنها كل سنتين حكما حسب دستور المنظمة فيما تكون المدة المحددة أكثر من ذلك بالنسبة للاتفاقيات الأخرى. من بين هذه الاتفاقيات الثمان صادقت مملكة البحرين على أربع هي: اتفاقيتي منع العمل الجبري 92، و501، اتفاقية منع أسوأ أشكال عمل الأطفال 281، اتفاقية عدم التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111. وتبقى أربع أخرى غير مصادق عليها من مملكة البحرين هي اتفاقية حرية التنظيم النقابي 78، اتفاقية المفاوضة الجماعية 89، اتفاقية المساواة في الأجور عدم التمييز على أساس الجنس 011، اتفاقية تحديد السن الأدنى للعمل 831. وقد يرى الكثيرون سواء من النقابيين أم من غيرهم أن هذه الاتفاقيات هي مجرد حبر على ورق كما يقول عامة الناس وهو انطباع ينطبق على الكثير من التشريعات المحلية كالدساتير والقوانين والقرارات وكذلك المعايير الدولية كالمعاهدات والاتفاقيات والقرارات والقوانين الأممية، بحيث كلما واجه الناس معضلة تتعلق بعدم تطبيق معيار أو قانون دولي أو محلي قالوا: ''هذا مجرد حبر على ورق''. والحق أنها فعلا حبر على ورق، وهذا ليس شأن القوانين البشرية وحدها، إذ طالما كان الحبر على الورق هو الذي حفظ نصوص الديانات الكبرى والفلسفات السماوية والأرضية وليس كل ذلك عبثا. المرجعيات المكتوبة سواء كانت من صياغة الخالق أم من صياغة المخلوق تمثل دليلا يقاس به الانحراف عن التعليمات السماوية أم الأرضية وهي نتيجة معرفة ما ورائية كما في الأديان أم خلاصة خبرة وتجارب ومعارف بشرية. حين يحدث انحراف ما في قضية دينية أم فلسفية أم حقوقية نكون بحاجة لمرجع نحدد طبقا له طبيعة هذا الانحراف ونقيس درجته وتارة يكون هذا المرجع نصا دينيا مقدسا وتارة يكون نصا بشريا تواطأ المجتمع المحلي أم الدولي على قبوله. وبالتالي فإن عدم التطبيق لا يسلب المرجعية المكتوبة أهميتها بل على العكس يزيد منها إن لم يكن هو سبب هذه الأهمية. إن تحديد المذنب أو المخالف ليس ممكنا إطلاقا إلا بوجود ما يفترض كونه مرجعية مكتوبة لا يجوز الخروج عليها، وهذا تحديدا هو ما يمثل أهمية هذه المرجعيات بصرف النظر عن التزام المخاطبين بها بتنفيذها. اليوم يندلع في البلاد جدل التمييز في التوظيف وهو جدل نيابي وسياسي واجتماعي. رغم إقرار إحدى الكتل في البرلمان بأن طرح موضوع التمييز حق إلا أنها ترى أن المراد منه قد يكون باطلا على خلفية الشعور بأن هذه الطائفة التي تمثلها هذه الكتلة هي المستهدفة بهذا المشروع. والحق إن الاتفاقيات الدولية كأدوات هي الكفيلة بالخروج بموضوع التمييز من كونه موضوعا دينيا، مذهبيا أو عرقيا إلى كونه موضوعا تقنيا. ليس على طارحي الاستجواب ورافضيه أكثر من العودة إلى نصوص اتفاقية صادقت عليها المملكة من اتفاقيات الحقوق الأساسية في العمل وإنشاء فريق تقني بحت يقيس درجة الالتزام َُنٍُْىُّ؟ والانحراف مًّىفُّىَُ بمعايير تقنية صارمة يمكن لأي خبير توفره منظمة العمل الدولية أو منظمة الأمم المتحدة أن يقوم بها. وفي عملية تقنية كهذه نستطيع أن نحرر هذا الموضوع من إكراهات الطائفة والجماعة وننقله إلى دائرة القياس الفني المحايد. وسيكون من أهم ميزات هذا المعيار أن المملكة مساءلة عنه دوريا في منظمة العمل الدولية وحيث سيكون كل انحراف بمرأى ومسمع من لجنة الخبراء في المنظمة. كما سيكون من نتائج ذلك أن نكتشف وجود أسباب أخرى للتمييز قد لا يكون الانتماء المذهبي إلا أقلها شأنا، إذ قد يكون الجندر والعرق والطبقة واللون والأصل الاجتماعي من بينها. بعد مقدمة تشير إلى مرجعية إعلان فيلاديفيا الذي يؤكد ''أن لكل البشر أيا كان عرقهم أو معتقدهم أو جنسهم الحق في العمل من أجل رفاهيتهم المادية وتقدمهم الروحي كليهما في ظروف توفر لهم الحرية والكرامة والأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص''، يؤكد مؤتمر العمل الدولي اعتماد اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة لسنة 8591 وهي مناسبة جديرة بالالتفات حيث تكمل هذه الاتفاقية في يونيو/ حزيران المقبل خمسين سنة من عمرها. وتعرف هذه الاتفاقية في مادتها الأولى التمييز بأنه ''أي تمييز أو استبعاد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الأصل الاجتماعي أو أي تمييز آخر تحدده الدولة العضو ويكون من شأنه إضعاف أو إبطال تكافؤ الفرص أو المعاملة في الاستخدام والمهنة''. ويتحدد مفهوم الاستخدام والمهنة في هذه الاتفاقية بوصفه شروط الاستخدام وظروفه وإمكان الوصول إلى التدريب المهني والوصول إلى الاستخدام وإلى مهن معينة. المادتان 2، 3 من الاتفاقية تحددان التزامات الدولة العضو بأن تعدل كل ما يتعارض مع الاتفاقية من قوانينها المحلية بما في ذلك إصدار قوانين جديدة تكفل مكافحة التمييز ومراقبة الممارسات التي لا تتسق مع سياسة عدم التمييز وإشراك منظمات أصحاب العمل والعمال والجهات المعنية في هذه المعالجة والمراقبة. كما تلزم الدولة العضو بتقديم تقرير دوري أو بناء على طلب منظمة العمل الدولية بشأن الإجراءات التي اتخذتها الدولة لتطبيق التزاماتها المترتبة على تصديقها للاتفاقية. وهذه الاتفاقية من الدقة بحيث استثنت من تعريف التمييز كل الشروط التي توضع بناء على متطلبات الوظيفة لمؤهلات بدنية أو عقلية أو دراسية معينة أو غيرها أو بناء على حاجات الدولة الأمنية. ومثال على ذلك استثناء المواطنين الأكراد من العمل في الخدمة العسكرية بتركيا أو غير ذلك من الممارسات التي هي محل خلاف بين منظمة العمل والدول بشرط أن تعلن الدولة هذه الاستثناءات وتبررها بوضوح تام وشفافية بدل أن تتركها للعمل غير المقنن ولتصرفات الأهواء والأمزجة لكبار المسؤولين الذين يمارسون هذه الضوابط بمعايير مزدوجة. في رأينا تشكل نصوص هذه الاتفاقية خصوصا مع تصديق المملكة عليها العام 0002 والتزامها بنصوصها مثل جميع الدول المصدقة عليها مرجعية مناسبة يمكن لها بتضافر جهود السلطة التشريعية وأصحاب العمل والعمال ومنظمات المجتمع المدني مع السلطة التنفيذية ومستندين لتجارب الدول التي طبقت هذه الاتفاقية أن نخرج بموضوع التمييز من تجاذبات الطوائف إلى كونه موضوعا تقنيا تحكمه الخبرة والموضوعية بعيدا عن فوبيا الاستقصاد والاستهداف من جماعة أو غريزة التغول والتصيد من جماعة أخرى.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق