الاثنين، 8 يونيو 2009

الحركة النقابية في عيد خمسيتها الأولى 11/01/2009

مع اقترابنا من 12 - 14 يناير/ كانون الثاني، نحتفي بذكرى الخمسية الأولى لتأسيس ثاني اتحاد عمالي في تاريخ البحرين، حيث في هذه الأيام منذ خمس سنوات خلت أي في العام 2004 التأم شمل ما يقرب من أربعين نقابة ممثلين بـ 148 مندوبا ليعلنوا بعد ثلاثة أيام من العمل انطلاق الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين منظمة ديمقراطية حرة مستقلة وموحدة.وكان أول اتحاد عمالي في البلاد قد تأسس العام 1956 تحت اسم اتحاد العمل البحراني BLF. وفي كلا الاتحادين يبدو تاريخ ممارسة العمل العمالي والنقابي مدرسة في البحرين ليت السياسيين تعلموا منها لوفروا على أنفسهم وعلى البلاد الكثير من الأثمان الباهظة التي كان علينا دفعها. أولى هذه الدروس أن الحركة النقابية الوليدة قبل خمس سنوات لم تجلس في موقع الانتظار لتصاغ لها القوانين، حيث مشكلة السياسة في هذه البلاد أن الأطراف السياسية كانت دائما متلقيا لمسودات الحكومة بحيث كانت الحكومة هي الطرف المبادر، بينما ينتظر السياسيون مبادراتها للتعليق عليها وإن بدا مؤخرا أن هذا الوضع آخذ في التغير. أما في العمل النقابي فقد بادرت اللجان العمالية ممثلة في اللجنة العامة «الاتحاد العام لعمال البحرين» آنذاك بتقديم مسودة لقانون النقابات إلى الحكومة ممثلة بوزير العمل آنذاك عبدالنبي الشعلة فارضة التفاوض بشأن المسودة ومستفيدة من تعاونها مع المنظمات العمالية الدولية قبل أن تبادر الحكومة بصياغة مسودتها. وحين صاغت الحكومة مسودة طويلة تربو على سبعين مادة مليئة بقيود عدة كان لدى الطرف العمالي مرجعيته لكي يقارن بين المبادئ الرئيسة ومسودة الطرف الحكومي حتى تم الخروج بالقانون 33 لسنة ,2002 والذي برغم بعض الإشكالات فيه والتي لازالت مورد خلاف إلا أنه مثال بارز على انجاز حقيقي خصوصا في مبادئه العامة وتأكيده على حرية التنظيم دون ترخيص مسبق وفتح المجال لعمال كل المنشآت من أصغرها إلى أكبرها حجما لحرية العمل النقابي. وهذا الدرس تحديدا يعيدنا إلى تأسيس الاتحاد البحراني للعمل في خمسينات القرن الماضي، حيث قامت إدارة شركة النفط بتعيين ممثلين عماليين في لجنة صياغة أول قانون عمل للبلاد لكن العمال رفضوا هؤلاء الممثلين المعينين وانتخبوا ممثليهم الشرعيين وفرضوا وجودهم في التفاوض على القانون. ويوم اقتربنا من عقد المؤتمر التأسيسي جاءت ما يشبه الإملاءات توجه بتأجيل موعد عقد المؤتمر لكن كان للإرادة النقابية رأي آخر وعقد المؤتمر في موعده مشركا نقابات القطاع الحكومي والتي كانت ولازالت الأجهزة الحكومية غير معترفة بها، في تأكيد واضح على إيمان الحركة النقابية بحرية العمل النقابي. ومع أن الحركة النقابية في المؤتمرين التأسيسي والعام الأول شهدت سجالا سياسيا داخل كل تيار على حدة من جهة أولى على صعيد اختيار من يمثل كل فصيل في المسؤوليات النقابية، وكذلك بين الفصائل نفسها قبل وبعد انتخابات الاتحاد العام في المؤتمرين إلا أن الحركة النقابية سرعان ما تجاوزت كل ذلك وتوحدت أمام ملفاتها واستحقاقات المرحلة النقابية في فصل مهم بين السياسي والنقابي. ومرة أخرى يعيدنا هذا إلى درس الحركة العمالية الخمسينية، حيث يذكر باحث مهم هو د. محمد الرميحي كيف أن ممثلي العمال في صياغة قانون العمل استمروا في التفاوض حتى صدور قانون العمل العام 1957 رغم حل الهيئة التنفيذية والتي كانوا هم رجالها على الصعيد العمالي وهو درس مبدئي في فصل التجاذبات السياسية عن أجندة العمل العمالي. وفي السياق نفسه اتخذت علاقة الحركة النقابية مع الطرف الحكومي منحى مختلفا عن الموالاة لمجرد الموالاة أو المعارضة ودخلت في جدلية خلاقة تتغير بحسب الملفات كلا على حدة والتعامل معها. ولعل من أبرز الدلائل على ذلك ما وصف به أحد المسؤولين الحكوميين في محفل مهم الحركة النقابية البحرينية بأنها اختلفت عن مثيلتها العربية في علاقتها بالطرف الحكومي في أنها اتخذت خطا وسطا بين الاحتواء والإقصاء فلا هي في جيب الحكومة شأن الكثير من منظمات العمل النقابي العربية والتي تدافع عن السياسات العمالية لحكومات بلدانها بقوة تفوق حتى دفاع الحكومات نفسها ولا هي بدرجة من العداء بحيث تغلق وتقطع سبل العمل مع الحكومة. ودرس مهم آخر يتعلق بنزاع الزعامات الذي فرق كثيرا من رفاق الدرب داخل أكثر من فصيل إسلامي ووطني وجعل للتيار الواحد أكثر من تنظيم. وبغض النظر عن أهمية أسباب الاختلاف التي لا نقلل من جديتها، إلا أننا نعلم اليوم أن أسباب الانشقاق كانت خلفها أيضا أمورا تتعلق بالرغبة في الزعامة والرمزية وهذا أمر عانت وتعاني منه جميع التيارات بلا استثناء بين علمانيها وإسلاميها ومواليها ومعارضها. ولعلنا كثيرا ما نجد فصيلين أو اتجاهين داخل فصيل واحد يطرحان الأجندة نفسها وبالقوة نفسها، ثم تتساءل عن أسباب الخلاف فلا تجد غير رغبة سين في أن يكون مكان صاد لشعور أحدهما بأنه الأجدر بهذا المكان. لكن الحركة النقابية تجاوزت هذا المأزق بكل انسيابية وسلاسة وتراضت الفصائل سواء داخل كيانها نفسه أو على صعيد علاقتها بغيرها على تقاسم المسؤوليات تكليفا لا تشريفا حتى ولو شعر فرد ما بأنه يستحق مقعد صاحبه، إلا أن التراضي كان سيد الموقف والعمل من أجل الصالح العمالي العام من جهة أو من أجل صالح الفصيل داخليا من جهة أخرى. كما كان درس تمكين المرأة من أهم دروس الحركة النقابية. فبينما فشلت المرأة في الوصول إلى مقعد نيابي أو بلدي كما أقصيت عن المراكز في التنظيمات السياسية تبوأت المرأة رئاسة خمس نقابات على الأقل ووصلت إلى مقاعد الأمانة العامة. وفي التعامل مع العمالة الأجنبية والتي لايزال التعامل السياسي مع ملفاتها وحقوقها محاطا بكثير من المحاذير بسبب التخوف من تأثير ذلك على الأجندة الوطنية للتنظيمات السياسية كانت المنظمات النقابية على العكس من ذلك، خصوصا في قطاع المقاولات تفخر بضمها العمال الأجانب إلى صفوفها وتعمل على زيادة عددهم وتضع حقوقهم في المساواة وعدالة الأجر وظروف الإعاشة ضمن أولوياتها. ولكن اليوم ورغم كل هذه الدروس التي هي برسم الاستفادة منها سياسيا ومدنيا وفي عيد الخمسية الأولى للاتحاد النقابي بالطبع على العمال ألا يناموا على ورود ما أنجزوا بل أن يتلمسوا الكثير من مواطن الخلل والقصور وعلى رأس الإخفاقات عجز الحركة العمالية حتى الآن عن إيجاد قاعدة بيانات رصينة خاصة بها عند معالجة موضوع يحتاج إلى معلومات فنية وإحصائية، حيث لازالت تستند إلى إحصاءات الحكومة التي تريد هي الرد عليها وتفنيدها!. وهو تناقض لا حل له حتى الآن. كما تحتاج الحركة النقابية إلى تمهين العمل النقابي أكثر فأكثر بإيجاد طاقم من النقابيين كموظفين وفنيين مؤهلين نقابيا ومهنيا بحيث يصبح العمل النقابي شيئا فشيئا مهنة تماما مثل العمل النيابي والبلدي وغيره من مستويات المؤسسات التمثيلية لأن استمرار العمل النقابي كمجرد وظيفة اجتماعية ونشاط حقوقي أو خيري لن يكون قادرا على إيصال هذا العمل إلى مصاف مثيلاته في الحركات النقابية المتقدمة دوليا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق