في العام 2006 صدر القانون رقم 49 لسنة 2006 بتعديل المرسوم بقانون 33 لسنة 2002 بشأن النقابات العمالية وكانت هذه التعديلات من أسرع التعديلات في تاريخ التشريعات في البحرين فهي تعدل قانونا لم يمض على صدوره سوى أربع سنوات فقط، كما تميزت هذه التعديلات بأنها جاءت بشكل منفرد تماما حيث تلقى الطرف العمالي مسودة هذه التعديلات فقط من البرلمان وأبدى ملاحظاته عليها حيث تم في أغلبها فيما بعد عدم أخذ وجهة نظر الاتحاد النقابي العمالي بعين الاعتبار. وحتى نكون منصفين لا بد من استعراض مجمل التعديلات بإيجاز بنظرة موضوعية لنرى حجم الخسائر والأرباح في هذه التعديلات مما يعكس واقع ومستقبل العمل النقابي. أولا ومن حيث المبدأ ومن دون الدخول في تفاصيل المواد لا بد أن نؤكد مجدداً على أن انفراد الطرف الحكومي وحده من دون غيره بوضع مقترح التعديلات ورفعه للسلطة التشريعية من دون مناقشة مسبقة مع الطرف العمالي هو في حد ذاته ينتقص من قيمة هذه التعديلات شكلا - بغض النظر عن الموضوع - من جهة ويتناقض مع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة التي من مبادئها التشاور مع أصحاب المصلحة في أي تشريع أو قرار مع أن الحكومة ادعت في بعض المنعطفات أن التعديلات جاءت ليتطابق القانون مع اتفاقية التجارة الحرة من جهة أخرى. وكان لافتا للمقارنة فحسب أن الحكومة تشاورت مع العمال لفترة ليست بالقصيرة قبل صدور القانون حتى تم الخروج بمسودة حد أدنى للقانون إبان الفترة السابقة على نشوء السلطة التشريعية حيث صدر القانون قبل شهر واحد بالضبط من الانتخابات النيابية الأولى العام ,2002 لكن الحكومة لم تتشاور مع العمال في فترة قيام البرلمان والتي يفترض - نظريا على الأقل - أن تكون مرحلة أكثر شفافية وديمقراطية. أما من حيث التعديلات التي طالت خمس مواد هي المواد (21 ,9 ,8 ,3 ,1) وبنظرة موضوعية باردة نستطيع القول إن هناك بعض التعديلات اتخذت منحى تقدميا مثل المادة (3) التي أصبحت تنص على تغريم صاحب العمل ما لا يقل عن أجر شهرين ولا يزيد عن ستة أشهر متى ثبت قيامه بالتمييز ضد العامل بسبب نشاطه النقابي. كما أضيفت في المادة (9) مهمات أكثر دقة يمارسها الاتحاد النقابي. كما وفي المادة (21) المتعلقة بالإضراب تم تعديل شرط موافقة ثلاثة أرباع الجمعية العمومية بأغلبية ليصبح الأغلبية المطلقة للعمومية ليصبح الإضراب قانونياً. غير أن كل هذه الإيجابيات في بعض التعديلات كانت الثمن الحقيقي الذي لا بد من دفعه لتمرير التعديل الأهم والجوهري الذي سعت له الحكومة والذي تمثل في منعطفين أساسيين، ألا وهو حذف مسمى ‘’الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين’’ في المواد ,9 ,8 ,1 ليصبح ‘’اتحاداً نقابياً’’ ثم إيكال تحديد المواقع الحيوية التي لا يجوز فيها التوقف عن العمل حصرا لرئيس الوزراء. لكن الرد على هذه التعديلات الأحادية التي استهدفت تمزيق الحركة النقابية تحت ستار التعددية لم يأت من التشريع المضاد بل من الواقع العمالي. لقد أثبتت الحوادث الأخيرة وعلى رأسها التحرك العمالي المضاد للتعسف الإداري بحق كل المفصولين النقابيين والعمال وخصوصاً عمال شركة المراعي ونشطاء نقابة عمال البريد جمال عتيق ونجية عبدالغفار والذي توج باعتصامات مساندة بما في ذلك الإضراب عن الطعام الذي قام به بشجاعة نقيب عمال البريد عضو الأمانة العامة للاتحاد العام جمال عتيق أن التعددية ليست في الكتب والقوانين بل هي قرار العمال في أن يمضوا إلى آخر الشوط مع وحدتهم أم مع تفرقهم. لقد أصبح مقر الاتحاد العام في فترة إضراب جمال عتيق عن الطعام محجة لمختلف النقابيين والسياسيين والناشطين الحقوقيين. وكان هذا الالتفاف رسالة بالغة الدلالة إلى أصحاب أوهام تعددية الكيانات بأن حلمهم بعيد المنال إلا إذا تبرأوا من قواعدهم العمالية. قال العمال والنقابيون من خلال هذا التلاحم بين مختلف مشاربهم وانتماءاتهم بأن التعددية في الرؤى والأساليب هي تعددية داخل الكيان الواحد لا كيانات شتى بالضرورة. من هنا ننطلق في فهم التعددية بوصفها اتحاد المتعددين لا تعدد الاتحادات بحيث تغني هذه التعددية الجسم الواحد بمختلف اجتهاداتها وخبراتها وطرقها في العمل النقابي. وعودا على بدء إذاً ليست المعركة في الأساس معركة تشريعات وإن كان توجه بعض أصحاب القرار لتذويب الوحدة النقابية قد بدا واضحا من خلال استهداف بالتحديد المواد التي فيها اسم الاتحاد العام من دون غيرها من المواد التي كان فيها الخلل أوضح وأحوج للتعديل لاسيما مثلا المادة (10) التي اختلف في تفسيرها بشأن أحقية عمال الحكومة في إنشاء نقاباتهم والتي ما زالت حبيسة دهاليز البرلمان والحكومة، لكن المعركة هي معركة إرادات. بهذه الروح يتجه عمال البحرين قريبا إلى مؤتمرهم العام الأول وحيث ليس بالتشريعات والقوانين وحدها يحيا العمل النقابي، وحيث يبدد العمل النقابي في الميدان الكثير من الأوهام التي يحلم بها من ظنوا أنه ما إن يمنح حق تعددية الاتحادات حتى ينهار الثقل العمالي الموحد إلى شظايا لكن الأيام أثبتت خطأهم ومع كل ضربة تمر بها الحركة النقابية تزداد تلاحما وقوة ورسوخا.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق