الاثنين، 8 يونيو 2009

نحو هيئة وطنية لمكافحة الفساد 31/12/2006

هل هناك ما هو أخطر من تقرير ديوان الرقابة عن المخالفات المالية في مؤسسات تشتغل بالمال العام؟. الجواب نعم. أخطر من التقرير أن يكون هذا التقرير ليس إلا قمة جبل الفساد العائم تحت جليد الصمت والتخفي والتحايل. أخطر من التقرير أن يتحول صدوره فقط إلى الهاء للرأي العام بمجرد مخالفات إجرائية من الممكن تفنيدها بسهولة أكثر من المخالفات المتعلقة بالرشوة والاختلاس وسوء استغلال المال العام والإثراء غير المشروع، والتي لم نر أيا منها في التقرير. أخطر من التقرير أن تكون النصيحة التي أسداها الديوان للدولة مرتبة سلفا بحيث تعمل بها الدولة فتضرب أكثر من عصفورين بحجر، تكون قد نفذت توصيات الديوان من جهة، وخففت من التوجه لمحاسبة المخالفين من جهة أخرى، والأهم من ذلك أنها بتحويلها إدارة المؤسسات المخالفة إلى إدارة أكثر استقلالا عن الحكومة.حسب نصيحة الديوان تكون قد اتخذت موقعا ينأى بها عن المحاسبة أكثر فأكثر حيث الديوان معني بالرقابة على الإدارة العامة. وهنا نرى أنه ما لم نرفع شعار كل مال عام هو مال عام، وأن المؤسسات غير مفوضة في أن تكون فاسدة في أموالها تحت حجة أن المال الخاص ملك صاحبه يفعل به ما يشاء. صحيح أن المال الحكومي من البديهي أن يكون أكثر عرضة للرقابة والمساءلة كونه مال الدولة والشعب، ولكن معايير الشفافية وعدم الفساد بجب أن تشمل كل المؤسسات خاصة كانت أم عامة، فبغض النظر عن كون الفساد في المال العام سرقة لحق الشعب، فإن الفساد في حد ذاته يمثل اليوم مصدر إساءة لسمعة الاقتصاد الوطني بغض النظر عن موقع هذا الفساد. وعودة لمثال (سيمنز) الذي تعرضنا له هنا الأسبوع الماضي، مضت الشرطة في تقصي الفساد في أموال شركة خاصة حماية للاقتصاد الألماني وسمعته. إن وضع نظام معياري للشفافية يطبق على كل المؤسسات في البلاد هو من مهمات ديوان الرقابة بحيث لا يكون من حق صاحب مؤسسة أو منشأة أو شركة أن يقول لا شغل لديوان الرقابة بأموالي فهذه شركتي وأنا متصرف فيها ومسؤول عن تطبيق معايير المحاسبة المالية بها. إن من شأن وضع نظام وطني معياري للنزاهة والشفافية والتدقيق المحاسبي أن يجعل من قضية مكافحة الفساد قضية وطنية عامة ويرفع من سمعة الدولة ويجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين، فالبيئة النظيفة تشجع المستثمر على تفضيل دولة على أخرى، واتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة نصت في المادة الخامسة من الفصل السابع عشر على التزام الدولتين بمكافحة الفساد والرشوة ووضع إجراءات عقابية ضد من يمارسهما. وعلى النواب أن يضمنوا أن تكون هذه البنود محل التنفيذ، أو إعاقة المضي في تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة. يشعر اليوم المئات من العاملين والموظفين والناشطين في القطاع الخاص من نظيفي اليد والضمير بقلة الحيلة، كون الرقابة حتى في أكثر حالاتها تطرفا وراديكالية وجدية لن تطال غير المؤسسات العامة بينما يظل الفساد في القطاع الخاص حرا تحت مظلة حرية الملكية الخاصة واحترام خصوصيتها، مع أن الانعكاس الضار في النهاية سيصيب الاقتصاد الوطني بأكمله. هي إذن مهمة كبيرة تمتد من الرقابة اللاحقة للصرف إلى الرقابة الوقائية قبل الصرف وإلى خلق بيئة تنتعش فيها النزاهة ويشعر فيها الناس أنهم لن يستفيدوا من الفساد، و يكون المواطن فيها محصنا ضد قبول الفساد حتى لو كان هذا الفساد في صالحه كفرد، بدءا من احترامه لطابور الخباز الصباحي وطابور الخدمات العامة وصولا إلى رفضه الرشوة للغير والأهم رفضه الارتشاء من الغير. قد تجدي العقيدة والتحذير الديني والأخلاقي في هذا المضمار الشيء الكثير، ولكن علينا أن ننتبه إلى حقيقة أن الثقافة الدينية مثلها مثل القانون فيها الكثير مما يسمى (بالحيل الشرعية) التي تجعل المؤمن يضمن فساد الدنيا وجنة الآخرة معا، من دون أن يشعر بعذاب الضمير. ومثلا يشرح أحد المتدينين ذلك بهذا المثال: (لو أردت أن تقدم شيئا لموظف خدمة عامة معينة مقابل مساعدته لك، دون أن ترتكب ما يعتبر جريمة رشوة من ناحية شرعية ؟ وليس قانونية طبعا ؟ يمكن للموظف أن يبيعك شيئا ولو صغيرا مثل قلم ناشف مثلا وتعطيه مائة دينار مقابل هذا القلم فيكون الأمر بيعا برضا المشتري والبائع وليس رشوة !! ذلك أن العبرة هنا بالنية وليس بالممارسة كما يقال). فالمهمة أكبر من ديوان رقابة يقرأ الملك تقريره الذي أرسل مسبقا للمؤسسات المخالفة لتعد تقريرها للرد على ملاحظات الديوان ويختم البرلمان على التقرير بالدعوة إلى التصحيح والعفو علما سلف. يمكن أن تتصدى لهذه المهمة هيئة أهلية مستقلة من خبراء ومرشدين كمنظمة تطوعية غير حكومية تجعل من مكافحة الفساد قضية يومية، بعد أن أثبتت الجمعيات ذات الشأن المماثل الموجودة حاليا مثل الشفافية أو غيرها، أنها غير قادرة على التصدي لهذا الملف بالجرأة والفعالية الكافية، إما لنقص الأعضاء أو لنقص الخبرة أو لفقدان التأثير أو لضعف بنية الجمعية ذاتها مع تقديرنا لبعض إنجازاتها في مجال التوعية. وستتبنى هذه الهيئة أسلوب فضح الفساد وممارسيه من جهة، وتربية الرأي العام بخلق ثقافة مضادة للفساد من جهة أخرى.ثمة بعض الدول لها تجارب في هيئات مكافحة الفساد والتي يمتد تفويضها حتى إلى بناء مناهج تعليمية للموظفين العموميين والناس العاديين وطلبة المدارس ومسؤولي المنظمات اللاحكومية في مكافحة الفساد. مع هيئة بهذا المستوى وهذا التفويض الواسع والاستقلالية سيجد ديوان الرقابة نفسه مدعوما شعبيا ببيئة مساندة لمكافحة الفساد، وبينما سيكتفي الديوان بمهمة تقديم تقرير فني مهني بحت فإنه سيكون من مهمة الهيئة الوطنية المستقلة لمكافحة الفساد خلق منظومة عقائدية مضادة للفساد، بدل أن يجد جهاز ديوان الرقابة نفسه كما هو الآن مرتبكا وهو يقدم تقريره الخجول وسط إكراهات من السلطة التنفيذية من فوقه و بعض عناصر الموالاة أو المعارضة في السلطة التشريعية بكل انقساماتها من تحته فيضيع تعب التقرير في بوابات التسييس، مثلما ضاع تقرير غوار في آخر الفيلم حين سقط على الأرض تدوسه أقدام اللاعبين في الساحة فيما تتطاير أوراق تقريره في ريح الشتاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق