برغم أن النقابيين استبشروا خيرا بإصدار المرسوم الملكي 73 للعام 2006 الذي يعتبر من أهم إنجازات البرلمان السابق والقاضي بتعديل قانون العمل بإضافة المادة 110 مكرر التي تنص على تحريم فصل النقابيين وعلى أن تحكم المحكمة بعودتهم لأعمالهم وتعويضهم عن فترة الفصل متى ثبت أن الفصل كان بسبب العمل النقابي، إلا أن الأحداث على أرض الواقع العمالي جاءت لتكذب هذا التفاؤل فقد كانت النتائج حتى الآن عكسية لهذا التعديل، وأصبح من السهل على أصحاب الأعمال القول نحن سنفصل النقابيين ولتقض المحكمة بعودتهم ومن ثم فسوف نلتزم بحكم المحكمة. وبناء على هذا التبرير أصبحنا نشهد حالات فصل للنقابيين بمعدلات أسرع وبسهولة أكبر. وهكذا كأن مضمون خطاب المادة صار معكوسا بالنسبة لبعض أصحاب العمل بحيث أصبح يجوز فصل العامل بسبب نشاطه النقابي ثم إعادته إذا حكمت المحكمة بوجود مثل هذه الأسباب. والغريب أن بعض أصحاب العمل أصبحوا يستخدمون هذه الذريعة حتى في حال اعترافهم أصلا في خطاب سبب الفصل بأن السبب هو الاجتماع أو الاحتجاج النقابي. أقصد أنه قد يكون من المعقول انتظار حكم المحكمة حسب المرسوم 73 في حالة ما إذا كان صاحب العمل قد لوى عنق الحقيقة واخترع مثلا أسبابا عمالية لا نقابية لفصل العامل النقابي، مثل إدعاء بعض المؤسسات بأن العامل خالف كذا وكذا من قوانين الشركة أما في حال وجود وثيقة تثبت بوضوح بنص صاحب العمل نفسه أن إجراء الفصل كان بسبب اجتماع أو نشاط نقابي من أي نوع فلماذا نحتاج إلى انتظار قرار المحكمة التي وظيفتها أصلا هي البت في نوعية السبب المختلف عليه أولا ثم ترتيب الحكم على هذا السبب؟ يتأكد اليوم إذا ما دعا إليه النقابيون دائما من أن وجود قانون متقدم للعمل النقابي وتشريعات حمائية مهما بلغت قوتها سيكون من السهل الالتفاف عليها بل استخدامها ضد روحها وهدفها كما يحدث للمرسوم 73 ما لم تصادق المملكة على الاتفاقات الدولية وخصوصا الاتفاقية 98 بشأن مبادئ حق التنظيم والمفاوضة الجماعية التي صادقت عليها حتى الآن 157 دولة عضوة في منظمة العمل الدولية وهي بذلك من بين أكثر الاتفاقات تصديقا في المنظمة ومن بين الدول المصدقة عليها ثلاث عشرة دولة عربية هي الجزائر وتونس وليبيا والمغرب ومصر والعراق واليمن والسودان وموريتانيا وجيبوتي وسورية ولبنان والأردن. ويعود سر ارتفاع عدد الدول المصدقة على هذه الاتفاقية عن أختها الاتفاقية ,87 إلى أنه إذا كان عذر بعض الدول الأعضاء بأن التصديق على اتفاقية الحريات النقابية رقم 87 يعني إلزام هذه الدول بإطلاق حرية إنشاء نقابات في قطاعات لا ترغب الدولة المعنية في إعطائها هذا الحق وتريد حرمانها منه لأسباب أمنية واقتصادية وسياسية مؤقتة أو طويلة الأجل تراها الدولة الآن أو في المستقبل المنظور مثل القطاع العام في البحرين والقطاع الخاص في دول عربية أخرى، نقول إذا كان ذلك مبررا ولو جدلا، فإننا لا نستطيع تبرير عدم التصديق على الاتفاقية رقم 98 وهي اتفاقية تؤكد حقوقا لمنظمات نقابية قائمة أصلا وقد ارتضت الدولة وجودها وهي تعمل في ظل القانون وأنظمة البلاد. لقد نصت هذه الاتفاقية في مادتها الأولى على تمتع العمال بالحماية ضد أي تمييز بسبب نشاطهم النقابي وعرفت هذا التمييز بأنه يشمل خصوصا جعل توظيف أو بقاء عامل في وظيفة معينة مشروطا بعدم انضمامه أو تخليه عن عضوية نقابة معينة أو تسريح عامل أو الإساءة إليه بأي وسائل أخرى بسبب انضمامه إلى نقابة أو مشاركته في أنشطة نقابية خارج أو أثناء ساعات العمل. كما نصت هذه الاتفاقية بوضوح في مادتها الثانية على تمتع منظمات العمال وأصحاب العمل بالحماية من تدخل بعضها في شؤون البعض الآخر سواء مباشرة أو عبر وكلاء الطرفين واعتبرت بمثابة التدخل محاولة وضع بعض هذه المنظمات تحت سيطرة البعض الآخر عبر وسائل مختلفة. بالطبع فإن التصديق على هذه الاتفاقية لن يكون نهاية المطاف حيث سنتحول لمعركة التطبيق بعد التصديق لكن في آليات منظمة العمل الدولية ما يكفل الرقابة عبر لجنة الخبراء التي هي معنية بالنظر في التزام الدول الأعضاء بالاتفاقات المصادق عليها. ومع قوة هذه الرقابة ودقتها في رصد المخالفات وفضح الدول المخالفة عبر التقارير المنشورة علنا مع كل مؤتمر عمل دولي، إلا أن هناك مشكلة في هذا النظام وهو أن الدول التي لم تصدق على الاتفاقات تجد نفسها في وضع أقل حرجا وأدنى التزاما، بل بالعكس ينظر لكل خطوة تقوم بها لتصحيح أوضاعها على أنها خطوة في الاتجاه الصحيح تستحق التشجيع بينما تتعرض الدول المصادقة إلى حساب عسير في كل مؤتمر ويبدو أن بعض الدول تدرك هذه اللعبة ولذلك تتفادى التصديق على ما تخشى أن تحاسب عليه. وإذا كان التصديق على الاتفاقات هو أمر طويل المدى إذا أخذنا في الاعتبار إجراءات عرض الاتفاقية أولاً على السلطات الوطنية المختصة ثم مناقشتها عبر هذه السلطات قبل أن تأخذ طريقها للحكومة ثم للتصديق في المنظمة، فإن إنشاء محكمة عمالية أصبح أمرا لا يحتمل التأجيل قبل أن تمتلئ شوارع البلاد بالمفصولين الذين لا حيلة لهم غير انتظار حكم المحكمة بعودتهم أو صحة فصلهم وهم فريسة الفقر والحاجة دون أي دخل يقيم معيشتهم ويوفر اللقمة الكريمة لهم ولأسرهم. وأخيرا لابد من العودة مرة أخرى للمرسوم 73 باتجاه تعديله بحيث ينص على أنه لا يتم تنفيذ فصل أي نقابي إلا بحكم قضائي يثبت أن الفصل كان بسبب غير نقابي ويبقى قرار الفصل مجمدا تحت وقف التنفيذ حتى تبت المحكمة بعدم وجود سبب يتعلق بالنشاط النقابي. بهذا التعديل تنتقل الكرة إلى مرمى الطرف الأقوى وهو صاحب العمل ويصبح المرسوم كما أريد له فعلا أن يكون حصانة للنقابي ضد التعسف تماما مثل حصانة ممثل الشعب أو القاضي التي لا ترفع إلا بحكم المحكمة. وما لم تعمل الحكومة مع كل من منظمات العمال وأصحاب العمل على هذه الضمانات على المدى القصير والمتوسط والطويل من تعديل التشريعات وخلق المحكمة العمالية والتصديق على الاتفاقية رقم 98 على الأقل، فسوف نشهد المزيد من النقابيين الذين يفقدون أعمالهم لأنهم دافعوا عن حقوق غيرهم وسنصل إلى وضع يصبح فيه العمل النقابي عموما والمرسوم 73 ذريعة للطرد والتسريح بدل أن يكون كما أريد له أصلا وسيلة للعدالة في سوق العمل ولضمان الأمن الوظيفي والاستقرار السياسي في البلاد.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق