وضع مشروع قانون النقابات (33 لسنة 2002) في فترة كانت واعدة بالطموحات التي أطلقها التصديق الشعبي الجارف على الميثاق، وعبر مفاوضات ثنائية صعبة استمرت زهاء السنة بين ممثلي الطرف الحكومي (وزارة العمل بقيادة الوزير عبدالنبي الشعلة) وممثلي الطرف العمالي (الاتحاد العام لعمال البحرين) آنذاك. ولذلك جاء القانون - على رغم إشكالاته - معبرا عن الحد الأدنى من حرية التنظيم النقابي، وموافقا في جل مواده تقريبا للمعايير العربية والدولية، مع ترك مساحة من الاجتهاد في قراءة المواد المختلف عليها مثل المادة 10 المعنية بالقطاعات التي ينطبق عليها القانون، والمادة 21 المعنية بتنظيم حق الإضراب، بحيث يمكن لكل طرف أن يجتهد في قراءته للمادة بما يسمح لممارساته أن تكون في إطار القانون، وهي التي جعلت من الطرف العمالي يتمسك حتى اليوم بشرعية نقاباته في القطاع الحكومي على رغم منع ديوان الخدمة المدنية، كما أتاحت أيضا ممارسة حق الإضراب العمالي طبقا للقانون على رغم معارضة أصحاب العمل والوزارة. وإذا كان ثمة ما نفخر به من مجمل التشريعات التي صدرت في مرحلة ما بعد ميثاق العمل الوطني فهو هذا القانون 33 دون سواه من القوانين. حتى أن عاهل البلاد عشية مخاطبته الشعب بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية قبيل ساعات من انطلاقها استشهد بهذا القانون دون غيره باعتباره علامة على وجود إصلاح تشريعي حقيقي. بل حتى أنه لم يكتف بإصداره من مقره الملكي كغيره من القوانين لكن أعلنه مع عطلة الأول من مايو/ أيار بمحضر من قيادات وكوادر التنظيم العمالي في 24 سبتمبر/ كانون الأول 2002 تقديرا لأهمية هذا القانون والمعنيين به. كانت تلك فترة واعدة حقا ومفعمة بالشراكة وارتفاع سقف الطموحات الديمقراطية رسميا وشعبيا، ومن علاماتها أن مسودة الميثاق ثم الطريقة التي تم بها تفعيله بعد التصديق عليه، عرضت على شركاء مع الطرف الرسمي من مختلف الأفراد والفعاليات المنتمية إلى المنظمات، بل سمحت أريحية تلك المرحلة لبعض المطلوبين للمشاركة في لجان الصياغة لما قبل صدور الميثاق أن يقولوا كلمة ‘’لا’’، تعبيرا عن موقف متشكك في نصوص الميثاق من دون أن يخشوا من سيف السلطان وبطشه. كنا نشهد تقريبا ما يمكن أن نشبهه بالاستشارات المسبقة بين الطرف الرسمي والمعنيين قبل وضع مسودة القانون، ناهيك عن صدوره، وهي من الظواهر في الديمقراطيات العريقة، وهي وسيلة تهدف للوصول إلى أكبر نسبة ممكنة من التوافق بشأن التشريعات قبل أن تصل في محطتها الأخيرة إلى يد السلطة التشريعية. بل وصل الأمر قبل إصدار مسودة القانون 33 لسنة 2002 إلى أن استشارت الحكومة بعض الخبراء من دول عريقة في التنظيم النقابي في أوروبا لوضع رؤيتهم بشأن القانون وهو ما سمح بأن يكون القانون بالشكل الذي جاء عليه متقدما في بعض مواده، خصوصا على صعيد حرية التشكيل النقابي من دون الحاجة لعدد معين وترخيص مسبق. ما حدث بعد ذلك هو أن الخبراء قليلي المهارة هم الذين طلب منهم اليوم أن يعيدوا تشكيل كل ما لايزال يمثل تعبيرا مضيئا عن مرحلة الشراكة المغدورة، وعلى رأس هذه الأمور قانون النقابات 33 الذي أسفوا عدم مشاركتهم في صياغته فتتبعوه اليوم ليفتشوا فيه عما يسهل اختراقه وضرب مواطن القوة فيه فلم يجدوا غير باب التعددية النقابية مدخلا لتعديلاتهم الخرقاء. وبغض النظر عن الموقف من التعددية سلبا وإيجابا، وبغض النظر عن تأييدنا لمبدأ التعددية على كل مستوى، خصوصا على المستوى السياسي بالسماح بمبدأ التداول على السلطة، وعلى المستوى العقائدي بالسماح بحرية الفكر والمعتقد والإبداع وعدم احتكار التربية والتعليم من قبل مذهب بعينه، وعدم الحجر على حرية المعتقد من قبل مراكز الضغط الثيوقراطية، وهي كلها تعدديات أثبتت القوى المهيمنة ، أنها ترفضها في الوقت نفسه الذي ترفع عقيرتها بالتغني بالتعددية النقابـــــية التي لا نرفضها، بل نقرها مبدأ، خصوصا في ظل احتمالات مخيفة في هذا الوطن العربي الذي قد تأتي فيه حركة نقابية يوما ما تــُسير من البلاط أو من السراي (بالتعبير المصري)، نقول بغض النظر عن كذلك كله، كانت المشاورة مع الطرف العمالي قبل وضع مشروع التعديلات الأخيرة ضرورية، بل واجبة لسببين رئيسين على الأقل: الأول للمحافظة على روح الشراكة التي بها وضع مشروع القانون 33 يوم كانت البلاد تحبو وعلى طريق الإصلاح فكيف وقد كبرت اليوم وصارت تمشي إذا ما اتبعنا منطق الأشياء. والثاني لتجنب هذه النصوص البائسة التي أقل ما يقال فيها أن واضعها لا علاقة له من قليل ولا بعيد بالشأن العمالي والنقابي. وبقدر ما تسمح به المساحة لمقال أسبوعي سأتطرق هنا لمادة واحدة فقط هي المادة 8 حسب التعديلات، وهي المادة المتعلقة تحديدا بتعددية الاتحادات تقول المادة 8 المعدلة: 1 - يجوز لكل نقابتين أو أكثر من النقابات العمالية أن تنشئ فيما بينها اتحادا نقابيا. ويكون إنشاء الاتحاد النقابي أو الانضمام إليه بعد موافقة أغلبية الجمعية العمومية للنقابة العمالية. 2 - لا يجوز للنقابة العمالية أن تكون عضوا في أكثر من اتحاد نقابي. 3 - يمثل عمال مملكة البحرين في المحافل الدولية وفي المفاوضة الجماعية مع أصحاب الأعمال ومنظماتهم على مستوى المملكة، الاتحاد النقابي الأكثر تمثيلا من حيث عدد العمال المنتمين إلى النقابات أعضاء الاتحاد. أول ما يتبادر الى ذهن المطالع لهذا التخبط هو عن أي اتحاد بين نقابتين يتحدث هذا النص، أهو بين نقابتين في منشأة واحدة حسب التعديلات المزمع إدخالها لاحقا على المادة 10 بالسماح بتعددية النقابات في المنشأة، أم بين نقابتين في قطاع واحد إذا اتجهت الحركة النقابية في المستقبل لتنظيم الاتحادات القطاعية، وما الفرق بين النقابة القطاعية التي تنشأ بين عمال في القطاع نفسه أو بين نقابات منشآت في قطاع واحد وبين الاتحاد النقابي؟ أم المقصود اتحاد عام للنقابات المختلفة؟ ثم انه لو تشكل اتحاد من أكبر نقابتين هما ألبا وبابكو مثلا، فانطبق عليه شرط الأكثر تمثيلا بعدد الأعضاء فهل هذا الاتحاد سيمثل محليا في المفاوضات الجماعية على المستوى الوطني أو دوليا عمال قطاعات المصارف والتربية والتعليم وعمال قطاع التجزئة؟ ثم إنه لو تشكل اتحاد بين نقابات القطاع الحكومي فقط، فهل سيكون بحجمه الكبير ممثلا لكل عمال القطاع الخاص؟ أم العكس؟ ثم لو زاد عدد أعضاء نقابات معينة منضوية في اتحاد معين بعد أن كانت هي الأقل، هل سيصدر القرار بتغيير الممثل فورا أم يطلب في كل مرحلة من الاتحادات والنقابات تقديم جردة عضويتها؟ثم ما هو المقصود بالمحافل الدولية التي سيمثل فيها عمال البحرين بالاتحاد الذي سيسميه مشكورا سعادة الوزير، هل هو مؤتمر العمل الدولي والعربي، أم أن المقصود مثلا أن مؤتمر الاتحاد الدولي للإنشاءات سوف يكون من نصيب اتحاد نقابة عمال النفط والألمنيوم، أم ماذا؟ أم أن الاتحادات الدولية ليست من المحافل الدولية التي سيصدر بها قرار التمثيل من سعادته ؟الأهم من هذا وذاك هل تهدف هذه التعديلات كما يقال في النهاية لعدم وجود اتحاد عام على المستوى الوطني أصلا، أم تهدف إلى تعددية وجود مثل هذه الاتحادات الوطنية العامة؟ لأننا نعلم أن الدول التي فيها تعددية نقابية على مستوى الاتحادات (المغرب مثالاً) هي دول فيها أكثر من اتحاد عام وليس إلغاء الاتحادات العامة بالمرة. ثم لماذا لم يكن معيار الأكثر تمثيلا هو بعدد وتنوع القطاعات والمهن التي تمثلها نقابات الاتحاد المعني بقرار الوزير وليس عدد الأعضاء، على الأقل لتفادي أن يتمثل عمال البناء باتحاد نقابات عمال الزراعة؟ يبقى أخيرا القول إن الخوف من مجرد وضع ملاحظات النقابيين على التعديلات الغريبة حقا، والذي دفع هذه القوى لأن تستنكف حتى من مجرد التشاور مع النقابيين قبل وضع مشروع المرسوم وقبل إرساله للبرلمان، لكن هذا الغرور التشريعي أوقعها ليس فقط في مشكلة الموضوع وهو هنا ‘’التعددية’’ ولكن في مشكلة أكبر، وهي ‘’الشكل’’ بحيث جاءت هذه النصوص ما لها ‘’مزية’’ ولا فكاهة على رأي حبيبنا الفنان ناجي جبر (أبو عنتر).
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق