في البداية أوضح أني لست كما جاء في أحد المواقع خسيسا ولا دنيئا ولا حقيرا ولست مستفيدا من مديح قانون التأمين ضد التعطل أو راغبا في منفعة خاصة. وقد أكون مخطئا في اجتهادي فلي أجر اجتهادي كما جاء في الأثر، ولكن عموما هي ليست مسألة حياة أو موت، وفي النهاية بالنسبة لي لا يوجد أصلا في هذه الحياة ما يستحق أن نعتبره قضية حياة أو موت، فنشتم أو ننتهك شخصية الآخرين في سيبله، فكل الأمور قابلة للأخذ والرد، وقد أكون مصيبا اليوم ومخطئا غدا أو العكس، ولكن لا يوجد إطلاقا ما يستحق أن يأخذنا الغضب لأجله إلى إهانة الآخر أيا يكن هذا الآخر مسؤولا رسميا أم مواطنا هامشيا مثل كاتب السطور. ن يعاغلقد حاولت - وربما فشلت - في الانطلاق دائما من نظرية أن حق القراءة والمعرفة يسبق الحقوق جميعا وأنني معني بالدفاع عن هذا الحق أمام الله وأمام ضميري ورفض مصادرة هذا الحق من أي طرف كان حكوميا أم سياسيا أم دينيا. وسواء في قانون التأمين ضد التعطل رقم 78 لسنة 2006 أم في القوانين الأخرى التي تم تجييشنا لمعارضتها، والتي لا مجال لذكرها الآن، قلت وأقول إن القراءة والاطلاع على التفاصيل وتفاصيل التفاصيل خصوصا ممن يتصدون للشأن العام هو أمر مهم لكي يبنى الموقف على أسس صحيحة فيحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. قلت إن المواطن يعذر إذا وقف مباشرة دون اطلاع مع أو ضد المشروع لأن الاقتطاع يؤثر على جيبه عاملا أو لأن الاقتطاع يفيده عاطلا، لكن لا عذر في عدم الاطلاع والقراءة على قانون منشور منذ أكثر من نصف سنة لمن يتصدى لصناعة الرأي العام سواء رجل دين كان أم نقابيا أم سياسيا أم ناشطا في قيادة العاطلين والمحرومين أم نائبا أم غير ذلك، فليست وظيفة القيادي هي فقط اتباع الناس بل أيضا التوضيح لكيلا يأخذهم الغضب أحيانا أو نقص المعلومات أحيانا أخرى لاتخاذ موقف قد يبدو صائبا للوهلة الأولى لكنه غير ذلك لو تعمقنا مليا. وقديما قال قائد عظيم: نعلـّم الناس ونتعلم من الناس. ما كتبته إذن - وقد أكون مخطئا - هو مجرد محاولات للقول إن الكثير من معارضة القانون ناتج عن الالتباس وسوء الفهم وعدم القراءة أكثر مما هو ناتج عن الاطلاع على القانون 78 لسنة 2006 بشأن التأمين ضد التعطل والتعمق في مواده. كما أن آرائي محاولات لتوجيه الرأي العام بعيدا عن الـ 1% إلى أمور أهم وأخطر وهي كيف نستفيد من هذا المشروع لصالح العاطلين من الداخلين الجدد في سوق العمل أو الذين فقدوا عملهم لأسباب غير إرادية وغير تأديبية وهي الفئة المشمولة بهذا القانون، وكيف نراقب تنفيذ المشروع وندفع باتجاه أن يمثل العمال عبر اختيار من اختارهم الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين لمجلس إدارة الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية لا عبر المعينين الحاليين الذين انتهت فترة صلاحيتهم منذ زمن بعيد، بل وتمثيل العاطلين إذا اقتضى الأمر سواء في التنفيذ أو في الإدارة، والسعي إلى توسيع نطاق المشمولين بالقانون لكي يستوعب هذا القانون حتى من يتعطلون دون انفصام علاقة العمل وهم الأغلب الأعم من المتعطلين لدينا كما حدث لعاملات مصانع الملابس وكما يحدث في الإجازات غير مدفوعة الأجر لعاملات الرياض أو كما حدث في بعض الجرائد الخاسرة أو كما حدث في بعض المصانع ومنها قصتنا التي ستلي تفاصيلها فيما بعد. ولا أعلم كيف يمثل ما قلته في مقالين أو أكثر عن هذا الموضوع حقارة ودناءة وخسة ووصولية إلى آخر هذه الأوصاف في نظر البعض، وعلي أن أعترف أني عاجز عن إدراك ذلك!!. ما يعنيني من هذه الشتائم القول إنها تخرج بنا عن موضوع النقاش، ولكني أقدر بالطبع المسئولية التي يتحملها مديرو المواقع الإلكترونية خصوصا مثل (ملتقى البحرين) الذي يضم ما يناهز 10000 عضو ويحاول مشرفوه صادقين بشق الأنفس خلق التوازن بين جعله واحة للحرية ومدرسة للاحترام، في وضع يخلط فيه الكثيرون بين نقد رأي الآخر ونقد شخصه، وهو موقع طالما تشرفت بالكتابة فيه مشاركا بموضوع أو برد على موضوع، وتشرفت بالدفاع بالكلمة عن حرية أصحابه يوم تعرضوا للمحنة. أعود الآن بعد هذه المقدمة للموضوع الأصل فأسرد قصة عمال الشركة العربية للحديد والصلب في نهاية الثمانينات. كنا نعمل في مصنع الحديد والصلب يوم أدت الحرب العراقية الإيرانية لوقف قدوم السفن لموانيء الخليج بسبب ارتفاع التأمين عليها مع قيام العراق وإيران بضرب السفن، وانهارت الشركة تماما ومع النصف الثاني من العام 1988 - إذا لم تخني الذاكرة - توقفت الشركة عن دفع الرواتب تماما مع استمرار العمال في الدوام بلا انقطاع. كان هناك إذن تعطل دون انتهاء علاقة العمل. ومع أن قانون العمل 23 لسنة 1976 في باب الأجور ينص على أن أجر العامل يعتبر دينا ممتازا على الشركة أن تسدده قبل الديون الأخرى في حال التصفية، إلا أن الطريقة التي كانت تتعامل بها إدارة الشركة آنذاك كانت غامضة ومريبة، كمن يريد أن ينهي تصفية الشركة في خفاء وصمت دون مراعاة الأجور المستحقة. وحيث لم يكن في الشركة لجنة عمالية آنذاك فقد تشكلت بمبادرة من العمال لجنة من قيادات العمال الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن هذا الحق أمام الشركة والوزارة قبل أن تطير الطيور بأرزاق العمال، وكان في اللجنة آنذاك من العمال أنور بوجيري وجليل مكي واسماعيل كازروني وطارق الحسن وكاتب السطور وغيرهم لا أذكر أسماءهم. والشاهد هنا هو أن أحد أعضاء هذه اللجنة - لا أذكر من هو الآن للأسف - انتبه إلى فكرة تمويل رواتب العمال المتأخرة من حقوق التأمينات الاجتماعية حتى تنتهي التصفية وتنتقل الشركة للمالك الجديد وهي فكرة رائعة ومبكرة جدا للتأمين ضد التعطل سبقت عصرها، علي أن أشكر ذكاءها ولكني لا أذكر من كان صاحبها آنذاك. المهم أن رد الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية جاء سريعا وهو أن رسوم التأمينات الاجتماعية وكانت يومها 21% - إذا صحت معلوماتي - هي فقط ضد العجز والشيخوخة والوفاة وأن بند التأمين ضد التعطل معطل حاليا تحت وقف التنفيذ مع أنه موجود في قانون التأمينات. وهكذا تنبه ناشط عمالي نسيه الناس الآن، بفعل التجربة الحية إلى ما كان معطلا من قانون التأمينات، وقد ظلت تلك الخبرة المرة في ذاكرتي منذ ذلك اليوم. وينبع موقفي من هذا القانون الآن طبعا من هذه التجربة الشخصية، إضافة إلى مطالعته ومقارنته بمثيلاته عربيا ومضاهاة نصوصه بالاتفاقيات الدولية. كم نحن بحاجة إلى مثل هذا الاستباق المبكر، وإلى التركيز مرة بل مرات، على أن العامل الذي يدفع الـ 1% لا يدفعها تكافلا ولا هبة للعاطلين من الباحثين عن عمل فتلك هي مهمة الرسوم الأخرى من أصحاب العمل والحكومة، لكنه يدفعها تأمينا على راتبه هو شخصيا ليتقاضى 60% منه فيما لو تعطل لسبب خارج إرادته. وبالمناسبة يوجد مثل هذا التأمين على الراتب في شركات تأمين عديدة من بينها أليكو ويدفع المؤمن إذا أراد مبلغا يزيد بالطبع عن الـ 1% المرفوضة حاليا. ومع أن صاحبنا في اللجنة قد اكتشف بعفوية هذه الإمكانية قبل عشرين سنة تقريبا والتي نصت عليها اتفاقية 168 لمنظمة العمل الدولية إلا أن القانون رقم 78 الذي صدر في 2006 لم يشمل أيضا هذه الفئة، ونعني بها تحديدا من تتوقف أجورهم مع استمرار علاقة العمل، وهو ما يدعونا للتساؤل الآن أين علينا أن نوجه تركيزنا ونوجه الرأي العام، إلى اقتطاع الـ 1% أم إلى توسيع نطاق الاستفادة من هذا الاقتطاع؟
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق