الثلاثاء، 9 يونيو 2009

نقابات من لا نقابة له 27/04/2008

رغم أن قانون النقابات العمالية 33 لسنة 2002 لم ينص في مادته العاشرة المتعلقة بإعطاء حق تشكيل النقابات على شروط غير أن يكون المؤسسون عاملين مشتركين في أي من هذه الأمور المشتركة وهي قطاع، مهنة، منشأة، أعمال متشابهة، إلا أن العرف جرى حتى الآن على قصر هذا الحق على من لديه صاحب عامل ثابت مما يستلزم السؤال التالي: هل لا بد من وجود رب عمل ثابت لكي تكون هناك نقابة عمالية؟ نقصد بالسؤال هل لا بد من وجود صاحب عمل محدد في قطاع أو منشأة أو مهنة لكي يكون للعامل حق تأسيس نقابة؟ بالنسبة للتسميات ينفرد الاتحاد النقابي التونسي بين الاتحادات العربية باسم مخنلف هو ''الاتحاد التونسي للشغل'' والشغل هنا يعني أي نوع من الشغل، فهو ليس اتحادا للعمال وليس للنقابيين بالمعنى الحرفي لكنه اتحاد للعمل. ولعل هذا يعود لكون هذه التجربة التونسية قادمة من التجربة الفرنسية حيث ''العمل'' هنا ترجمة للكلمة الفرنسية du travail وحيث في معظم الدول الأوروبية تقريباً يستخدم مصطلح اتحادات ''العمل'' وليس ''العمال'' وهذا ما يؤدي إلى أن الاتحاد ينفتح على تمثيل فئات لا يوجد بالضرورة لها رب عمل واحد ثابت ومحدد. الملفت أن عمال البحرين في تجربتهم النقابية الأولى في منتصف الخمسينات قد أعطوا اتحادهم اسماً ذكياً في هذا الوقت المبكر هو ''اتحاد العمل البحراني'' BLF وحيث أريد له أن يضم العمال والموظفين وأصحاب الحرف، ولم يسموه اتحاد العمال أو نقابات العمال. ولا يوجد حتى الآن ما يمكننا من الحفر في سبب هذه التسمية، وهل هي ناتجة عن وعي بأن مصطلح ''العمل'' باليد أو الفكر أكبر من مصطلح ''العمال''، حيث العمل هنا هو العنصر المقابل للرأسمال في العملية الإنتاجية بكل ما يحتويه هذا العنصر من مكونات وليس هو فقط مرادفا للعامل. وأيا يكن فإن مصطلح ''العمل'' أصبح استخدامه اليوم معبرا أكثر من مصطلح ''العمال'' بشكل أدق عن العلاقة بين أصحاب العمل والعمال وهي علاقة تزداد دينامكية وتبدلا وعدم ثبات في عالم متغير للعمل كالذي نشهده الآن. إن هذه التطورات التي تحيط بنا من سوق عمل مفتوح وحرية انتقال رأس المال وحرية انتقال العمل وتداخل هويات أصحاب العمل حيث يعمل الشغيلة في قارة ويكون صاحب عملهم في قارة أخرى، وحيث لم يعد العمل مع صاحب عمل واحد هو الشكل الوحيد للعمل، وحيث في كثير من بلدان العالم الفقيرة يشغل عمال القطاع غير المنظم ما يناهز 80% من الاقتصاد المحلي وحيث بدأنا في منطقتنا وفي داخل بلداننا نشهد ظاهرة الذين يعملون لبعض الوقت لدى أصحاب عمل مختلفين مثل مصممي الشبكات وممثلي التسويق والإعلانات ومنظمي المعارض وحكام ومدربي الرياضة ومخلصي المعاملات والممثلين والكتاب والباحثين وسماسرة العقار والطباخين والبنائين المهاجرين ومصلحي السيارات والحمالين والمدرسين الخصوصيين والاستشاريين، وحيث يتوسع القطاع غير المنظم لدينا شيئا فشيئا كلما بدا أن القطاع المنظم غير قادر على استيعاب مزيد من الباحثين عن عمل محولاً المزيد من هؤلاء إلى العمل في الشوارع أو الأسواق كباعة ومنظفي الأسماك وباعة الخضروات وغير ذلك من أنواع الشغل الذي لا يوجد له صاحب عمل محدد. كل هذه التطورات التي من أهم ملامح سوق العمل في القرن الحادي والعشرين تطرح علينا مهمة أن نتجاوز في إطارنا النقابي مصطلح ''العامل'' إلى مصطلح ''العمل'' لا بالضرورة في مسميات منظماتنا بل في عملنا التنظيمي على الأرض. إن العامل في مؤسسة أو قطاع ثابت معروف صاحب العمل فيه قد يكون لديه بعض المشكلات المتعلقة بعلاقة الإنتاج وهي مشكلات من صميم العمل، لكنه في كل الأحوال أفضل وضعا من عامل يحمل قوة عمله من موقع لآخر لبعض الوقت هنا ولبعض الوقت هناك من دون حماية لحقوقه وربما من دون تعويض عادل لما يقدمه من العمل. فحتى في أسوأ الأحوال يوجد لدى العامل في القطاع المنظم الحد الأدنى من النظم لحماية صحته وسلامته وجزء من حقوقه. لقد استسلم العالم اليوم ورفع الراية البيضاء لحقيقة أننا لن نستطيع أبدا أن نجعل جميع أشكال العمل من حولنا قطاعا منظما بسبب أن الاقتصاد الرأسمالي هو بطبيعته اقتصاد يقوم على ثنائية المركز والهامش، حيث في المركز يوجد القطاع المنظم أو الأكثر تنظيما لدى الدول أو المجتمعات أو المناطق الأكثر حظا، وحيث في الهامش يوجد القطاع غير المنظم لدى الأقل حظا من الدول والمجتمعات والمناطق والأفراد. وبالتالي، فإنه بدلا من الإصرار على حصر مفهوم العمل اللائق ليكون حكرا على العلاقة المنظمة بين العامل وصاحب العمل علينا أن نحمل هذا المفهوم لنقتحم به عالم القطاع غير المنظم أو شبه المنظم أو الأقل تنظيماً. بناء على نتيجة كهذه يفترض أن يكون ''العمل'' فقط هو مبرر وجود تنظيم نقابي معين، بغض النظر عن كون من أسسوا هذه النقابة يعملون عملا منظما لدى صاحب عمل محدد وثابت. ''العمل'' بوصفه ذلك الجهد الذي يبذله فرد أو جماعة ما لصالح فرد أو جماعة ما آخرين لقاء تعويض متفق عليه صراحة أو ضمنا بين الطرفين. وإذا ما تصفحنا استراتيجيات منظمة العمل الدولية من خلال موقعها مثلا سنجدها تقتحم بمعايير العمل الدولية لا الشركات والمؤسسات المنظمة فقط، بل أيضا جميع أشكال العمل في مختلف المواقع بما فيها صنّاع الدراجات الهوائية في المصانع العشوائية في الهند أو صناع الكرات الرياضية في باكستان أو حلاقي الحارات الشعبية في أفريقيا وغيرها من أشكال العمل التي لا تخطر على بال والتي قد يعتبرها بعضنا أعمالا لا قيمة لها. حتى الآن يمثل القطاع غير المنظم ما يقرب من %2-1 من اقتصادنا المحلي وهو مرشح للزيادة، حيث تتخلى الدولة شيئا فشيئا عن كونها أكبر صاحب عمل واحد في البلاد عن طريق الخصخصة، وحيث يجد المئات من الشباب أنفسهم غير قادرين على العيش براتب ثابت لا يغطي كلفة الحياة في حدها الأدنى فيضطرون للعمل خارج القطاع المنظم، وتبدو اليوم للجميع فلسفة العمل القائمة على قاعدة ''إعمل أكثر وبدخل أقل''. كل هذه التغيرات بحاجة لحركة نقابية تخرج من قمقم ربط حراكها فقط بوجود صاحب عمل ثابت كشرط للعمل النقابي وتذهب بعيدا في مقاربة الفئات والأفراد الذين يبدون حتى الآن خارج النقابات والذين تمثل لهم المفاهيم النقابية ومعايير العمل الدولية ترفا لا يحلمون به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق