الاثنين، 8 يونيو 2009

الخبز الذي وحدنا 04/03/2007

يشعر المتابع للشأن العمالي بالعافية الغامرة التي ولدتها فكرة عريضة عمال القطاع الحكومي والتي تبنتها نقابات عمال القطاع لرفع أجورهم أسوة بما قامت به الحكومة من تعديل لأجور الفئات التخصصية حيث تقاطر مئات العمال على مراكز التوقيع فيما يشبه استفتاء على صلاحية الفكرة وقدرة من ينفذها على تمثيل الموقعين، وهي فكرة طال انتظارها لإخراج موضوع النقابات في القطاع الحكومي من عنق الزجاجة ومن دائرة الهمّ النقابي إلى دائرة الهم العمالي. فمنذ صدر تعميم ديوان الخدمة المدنية رقم 1 للعام 2003 بمنع عمال القطاع الحكومي من حق تأسيس نقابات تحميهم وتدافع عن مصالحهم والذي فشلت حتى الجهة التي أصدرته في الاستناد إليه في المحكمة كمانع قانوني من تأسيس نقابات لعمال القطاع العام وحيث كان الحكم بعدم الاختصاص دليلا على أن هذا التعميم السيء الصيت لا يمكن ببساطة الحكم بقانونيته طبقا لقانون النقابات 33 لسنة .2002 نقول منذ ذلك التعميم والأمور تراوح مكانها، ومطلب تأسيس النقابات لم يحظ بالالتفاف من عمال القطاع أنفسهم حيث الفكرة الرائجة أن هذا الهمّ يعني النقابيين والقادة العماليين بأكثر مما يشكل هما حقيقيا لدى العمال. والحق أننا كنقابيين فشلنا في الماضي في توصيل أهمية التنظيم النقابي للعمال عموما على نطاق واسع، بسبب غياب الرابط العملي الواضح بين التنظيم والانجاز، وهو الرابط الذي كشفت عنه العريضة العمالية والتي تم تدشينها واضطر القائمون عليها لتمديد فترة التوقيع بسبب عدد الراغبين في التوقيع.كان لا بد من تحرك كهذا يصبح اختراقا لحالة المراوحة بين وجود هذه النقابات الحقيقي في أرض الواقع وبين عدم اعتراف الحكومة بها كطرف مفاوض معني بحقوق العمال. وكان لا بد من تنشيط الماء الراكد في بركة الصمت الحكومي والذي لم يكن بريئا من سوء النية، حيث في الوقت الذي ظل تعديل المادة 10 من قانون النقابات يراوح مكانه تذرعا بالسلطة التشريعية، تم إنجاز تعديلات أخرى لا تقل أهمية وحساسية بالشأن العمالي والنقابي خلال فترة وجيزة وخصوصا تعديل المادة 21 المتعلقة بالإضراب والتي على إثر تعديلها صدر قرار بشأن الأنشطة الحيوية المستثناة من حرية الإضراب العمالي تطبيقا للتعديل الجديد. وبغض النظر عن اتفاقنا أم اختلافنا حول هذه الأنشطة المستثناة بقرار سمو رئيس الوزراء ? فهو موضوع آخر ? إلا أن ما هو جدير بالملاحظة هو كيف استطاعت الحكومة بهذه السهولة البالغة أن تعدل المواد 21 ,9 ,8 ,3 ,1 من قانون النقابات عبر السلطة التشريعية مع أنها قدمت للتعديل بعد الفقرة الصغيرة في المادة 10 والتي ما زالت في دهاليز البرلمان، وهل يكشف هذا فعلا عن حسن النية تجاه حقة التنظيم النقابي في القطاع الحكومي. بالطبع الناس لا يؤسسون النقابات فقط لمجرد التأسيس، وهم بحاجة لأن يروا بأعينهم كيف يكون التنظيم الجماعي مفيدا، وبحاجة لأن يروا أيضا أن العامل يجب أن يكون له صوت، ولكن لكي ينجح هذا الصوت يجب أن يكون جماعيا، وتلكم هي الفلسفة الأساس التي قامت عليها مبادئ منظمة العمل الدولية في حق التنظيم الذي هو على رأس الحقوق الأساسية في العمل والتي جاءت ضمن إعلان المبادئ الدولي المعتمد العام 1998 من المنظمة. ولن تنجلي غبرة هذه العريضة إلا وقد أصبح موضوع تنظيم عمال القطاع الحكومي أمرا واقعا، وصار التفاف العاملين حول ممثليهم مرجعية للعمل النقابي في هذا القطاع وهو ما يجب أن يستثمره النقابيون أفضل استثمار. الصورة الآن واضحة بدرجة كبيرة لكل عامل حرم من حقه في التنظيم في قطاع هو الأكبر من حيث وجود صاحب عمل واحد في مواقع عمل متعددة، وهو الأكبر من حيث نسبة العمالة الوطنية، وهو الأكثر تعرضا لمخاطر المستقبل في ظل التوجه للخصخصة من جهة ولتحويل الوزارات لهيئات من جهة أخرى. لم يعد منذ اللحظة حديث التنظيم النقابي لعشرات الآلاف من عمال هذا القطاع مجرد حديث ترف، أو مجرد فقط تطبيق للمعايير الدولية والعربية للعمل، حيث اليوم يكتشف العمال بعريضتهم أن التنظيم الجماعي لصوتهم وتوحيد رؤيتهم لواقعهم ومستقبلهم هو الطريق الوحيد لتحقيق أهدافهم. وعلى صعيد آخر جاءت هذه العريضة لتأخذنا بعيدا عن مظاهر الانقسام السياسي باتجاه الاتحاد المعيشي، فما نراه اليوم من التوافد على توقيعها ومن تقليد جمعية المعلمين للنموذج ذاته بعد أن كانت راكدة، أمر يبشر بخير كثير وبانتقال الانتماء من الأيديولوجي والسياسي إلى الانتماء الاقتصادي. إن ما يجمع شمل الموقعين على هذه العرائض اليوم هو تهميش أي انتماء آخر لغير لقمة العيش ورغيف الخبز ومستوى المعيشة. وحين يتحقق إنجاز تعديل الرواتب في هذا القطاع وهو لا بد قادم للتحقيق كما أنجز ذلك عمال ونقابات الشركات، فيجب أن يكون الاستثمار لهذا الانجاز على مستويين. على المستوى الوطني حيث تتعلم القوى السياسية كيف يلتقي المواطنون على هدف جماعي واحد بعيدا عن انقسامات وإكراهات التيار السياسي والإيديولوجي، وعلى المستوى النقابي حيث يتعلم العمال وقادتهم النقابيون أن هذه العريضة هي نقطة تحول في العلاقة بين النقابات وقاعدتها العمالية في القطاع الحكومي، وهي نقطة تحول يجب ألا يكون هناك عودة لما قبلها، بل المضي في هذا التحول صعودا للمستقبل الذي لن يكون إلا في الانتماء النقابي وتكريس الأمر الواقع وعدم الرضوخ لتعميم ديوان الخدمة المدنية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق