الثلاثاء، 9 يونيو 2009

ارفع رأسك لستَ عبدا 17/02/2008

ثمة ظاهرة اقتصادية تصل إلى مستوى القاعدة وعلينا أن نتأملها، وهي أن القطاع الأكثر ازدهارا وحين يكون في ذروة ازدهاره، يميل غالبا لأن يكون أكثر استغلالا وأقل إنسانية مع أن العكس هو الذي نفترض أن يحدث للوهلة الأولى، لدرجة أن المراقب أصبح يتساءل هل ازدهار الانتاج والتسويق أمر إيجابي لصالح العمالة أم العكس. لنأخذ عددا من الأمثلة. حين اكتشف النفط في البحرين العام 1932 وبدا أن اكتشافه في البحرين واعد بأن حوض الخليج بأكمله يحوي كنزا لا ينفد من الذهب الأسود ترافق مع تصنيع النفط استخراجا وتكريرا أبشع صور الاستغلال. فلم تكن الأجور متدنية فقط وظروف العمل سيئة بل كان نهر العامل وضربه أيضا سلوكا عاديا حتى استطاعت الحركات العمالية المتكررة أن تهذب من قسوة علاقات الإنتاج عبر عدد من المواجهات التي يحفل بها التاريخ العمالي. المثال الآخر هو قطاع المصارف الذي هو الآن كما نعلم في أوج ازدهاره ونموه وقد بدأ في الوقت نفسه يشهد ظاهرة لم يعرفها هذا القطاع في البحرين مسبقا بهذا الحجم والاتساع وهي ظاهرة العقود محددة المدة في هذا القطاع وهي العقود التي تجعل عشرات وربما مئات الشباب اليوم عرضة للخوف واللايقين في مستقبلهم المهني. وفي قطاع آخر مزدهر الآن ويتضخم بلا حدود هو قطاع الإعلام والصحافة والملتي ميديا والاتصالات، حيث تتعرض العمالة اليوم لضغوط لم تكن تعاني منها سابقا مثل التسريح والتدوير والعقود المؤقتة بل والحرمان من التأمين الاجتماعي كما في بعض الصحف وخصوصا للعاملين بشكل جزئي. أما المثال الأبرز والذي هو محور حديثنا هنا فهو قطاع الإنشاءات الذي يمثل الجزء الأكبر من اقتصاد بلدان الخليج اليوم والذي يزدهر ويتنامى بشكل لا مثيل له، بل والذي أصبح في الإعلام الاقتصادي اليوم علامة التقدم وحيث لا تخلو الصفحات الاقتصادية يوميا من قصة تدشين برج أو افتتاح مجمع أو مناقصة مدينة أو غير ذلك من حكايات اقتصاد الكونكريت، وحيث الملايين فقط هي لغة التداول في هذا القطاع. هذا القطاع يشهد في الوقت نفسه أسوأ مظاهر تدني شروط وظروف العمل من انخفاض الأجور وسوء أوضاع السكن والمعيشة والصحة والسلامة المهنية. وحين زار بعض النقابيين مواقع هذه العمالة التي أضربت مؤخرا ذهلوا لسوء أوضاع المكان التي تقضي في هذه العمالة حياتها، حيث بضعة برادات مياه لمئات من البشر وحيث لا يوجد سخان مياه في هذا البرد القارس وحيث لا يتجاوز أفضل راتب حاجز السبعين دينارا للفني والستين دينارا للعامل وتتكدس جثث العمال عند النوم ليلا في مربعات ضيقة المساحة تذكرنا بمكان قضينا فيه شطرا من أعمارنا. ما الذي يحدث إذن؟ ألا يفترض بديهيا أن يكون ازدهار قطاع ما إنتاجا وتسويقا دافعا لتحسين شروط وظروف العمل وخصوصا الأجور وبالتالي تحول هذا القطاع إلى مركز جاذب لا طارد للعمالة الأعلى أجرا والأفضل وضعا؟ إن العلاقة بين الازدهار الإنتاجي وظروف العمل هي علاقة فعلا تبدو محيرة للمراقب، وهي عكسية إذن وليست طردية، حيث يؤدي كل تحسن في الأول إلى تحديات على الثاني ليس أقلها سلب بعض المكاسب كما يحدث لمكسب ديمومة العقود في القطاع المصرفي وليس آخرها استعمال الناس عبيدا في القرن الواحد والعشرين كما يحدث في قطاع البناء والإنشاء.كان أصحاب العمل قد ظلوا ردحا من الزمن مقتنعين أن هذه العمالة الوافدة هي في وضع أفضل بما لا يقاس من وضعها في بلدانها حيث لا توجد فرص العمل وهي إن وجدت فهي لا تسد رمق الحياة وبالتالي فهي مهما قاست هنا من صعوبات فهي على استعداد لقبول حتى الإذلال لئلا تعود إلى أوطانها حيث تنتظرها آلاف الأفواه الجوعى. لم يعد الوضع كذلك الآن ولن يعود أبدا كما كان. بدأت إضرابات العمال الوافدين في الإمارات وتحديدا في إمارة الكونكريت الأولى ''دبي'' حين توقف آلاف العمال دفعة واحدة عن العمل حتى تمكنوا من تحقيق مطالبهم في رفع الأجور. وانتقلت العدوى إلى البحرين من مشروع الديزل إلى المؤيد ثم زخريادس وغيرهم متنقلة من موقع عمل لآخر لتصبح الإضرابات ثقافة مستجدة لدى هذه العمالة. ورغم أن هذه العمالة - خصوصا في ظل عدم تنظيمها نقابيا - بل وعدم وجود أجندة دائمة واستراتيجية للعمالة المهاجرة لدى الاتحاد النقابي رغم مساندة الاتحاد لها مطلبيا بلا حدود، نقول رغم أنها من خلال إضراباتها لم تحقق كل ما كانت تطالب به، لكنها أفلحت في تحقيق اختراقات ملحوظة في موضوعات الأجور وظروف العمل والسكن، ولسان حال العامل الوافد اليوم يقول ''نعم نستطيع أن نفعل شيئا وأن نغير من واقعنا'' وهذا هو الأهم في كل القصة بغض النظر عن مسألة تحقيق كل المطالب. ينسب لابراهام لنكولن رائد تحرير العبيد في أميركا أن أحد البيض قال له ''إذا رأيت عبدا نائما لا توقظه لئلا يحلم بالحرية، فأجاب: إذا رأيت عبدا نائما أوقظته وحدثته عن الحرية''. ويبدو أن ضغوطات العالم بمنظماته الدولية وضغوطات الدول المصدرة مضافا إليها إضرابات العمالة الوطنية والتي حققت بعض الانجازات قد أوقظت هؤلاء وحدثتهم عن الحرية ولن يبقى بعد اليوم لهؤلاء ميزة العبيد على الأحرار التي طالما فرح بها أصحاب العمل طويلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق