ثمة سؤال تقليدي كان يطرحه الاشتراكيون على أنفسهم أيام المد اليساري، أو يطرحه عليهم خصوم الاشتراكية، وهو إذا كانت الرأسمالية كما يقول ماركس تؤدي بتطورها إلى ثورة البروليتاريا وقيام المجتمع الاشتراكي، فلماذا إذن لم تقم الثورة الاشتراكية في المجتمعات الأكثر تقدما بينما قامت في مجتمع زراعي مثل روسيا؟كان الجواب البسيط والمباشر، أن الغرب الصناعي الذي ظل يبيع عالمنا الإسلامي المتخلف شعارات معاداة الاشتراكية ومحاربة الشيوعية والذي ظل يخوف أطفالنا من الوحش الشيوعي إذا لم يناموا مبكرا،هذا الغرب نفسه قد تمكن من كبح جماح ليبراليته واستباق احتمالات اندلاع ثورة اشتراكية في بلدان رأسمالية متقدمة لينشأ اقتصاد سوق اجتماعي يزاوج بين الحرية الاقتصادية والضبط الاجتماعي عبر عدة وسائل مثل التحكم في معدلات الأجر وتوفير الحماية الاجتماعية وتقوية التنظيمات النقابية وصياغة الاتفاقيات التي تحمي العمل بإزاء قوة الرأسمال،بحيث لم تعد الاشتراكية بعبعا كما تعامل معها المسلمون بل خيارا اقتصاديا أيضا، وتلك هي خلاصة القاعدة الذهبية التاريخية التي تقول إن ما يجنيه جيران ثورة ما قد يفوق ما يجنيه أهل الثورة أنفسهم حيث يستبق الجيران قيام ثورة مماثلة بتغيير واقعهم، والأمثلة لا تحصى في هذا الإطار. قد يجيب هذا على سؤال ما العلاقة بين زيادة رواتب الخليجيين مع كل انتخابات نيابية بحرينية؟ ومع أن اقتصاد السوق كما يزعم دعاته جاء أصلا على خلفية رفض أدلجة الاقتصاد ورفض تدخل دولة الرعاية في تشريع أو تنفيذ حمائيات قد تضر بحرية السوق ومبدأ (دعه يعمل دعه يمر)، إلا أن هؤلاء عادوا اليوم يروجون اقتصاد السوق وعدم التدخل في معدلات التضخم، لا لشيء إلا لأن ذلك ''زين، وتمام، وغيرنا سوى جذي) وهي حجج أيديولوجية تماما لا علاقة لها بمنطق اللاأيديولوجيا. كانت الحلقة الحوارية بشأن التضخم التي أقامتها جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي حديثا فرصة لأن نرى كيف أن اليسار في البحرين قد تقدم اليوم فأصبح أكثر انفتاحا على مناقشة التضخم برؤية واقعية بعيدا عن أدلجة الحل، وقريبا من الدعوة إلى المزاوجة بين الحرية والحماية Freedom and protection ، وقد أدار جليل النعيمي الندوة بليبرالية أفضل من الليبراليين، بينما جاء بعض مفكري ما يسمى بالاقتصاد الحر أيديولوجيين حتى النخاع، يكررون بين حين وآخر عبارات (الاقتصاد الحر ، وموت الاشتراكية، وموت دولة الرعاية، ولا للتدخل في السوق، ومديح الرأسمالية) وغيرها من العبارات بنفس الطريقة التي يعتلي بها ديماغوجي ستاليني سحارة خشبية ويخطب في جموع الناس مبشرا بالاشتراكية. بدا اليسار تلك الليلة براغماتيا وواقعيا وذا أفق مفتوح بسعة متغيرات العالم، بينما بدا الطرف الآخر محافظا بعيدا عن البراغماتية التي يفترض أنه صاحب الامتياز الأول في اختراعها. سمعنا تلك الليلة من البعض مفاهيم مثل: أن اقتصاد السوق قدرنا، والعالم يسير في اتجاه عدم تدخل الدولة، ونحن دولة رأسمالية، وسمعنا اللاءات الثلاث التي ذكرتنا بلاءات الخرطوم، لا لتقنين الأجور ولا لدعم الأسعار ولا لدعم محدودي الدخل، لأن هذا لا يجوز. ما تكشف عنه هذه المساهمات هو أن مشكلتنا في الأساس ليست في تبني الاقتصاد الموجه أم الحر، وليست في أن نكون اشتراكيين أو رأسماليين بل في أننا يوم أردنا أن نكون اشتراكيين كنا نتحدث بالإيديولوجيا ويوم أردنا أن نؤمن بالاقتصاد الحر عدنا نتحدث بالإيديولوجيا. بالطبع لم تخلُ الحلقة الحوارية من أصوات موضوعية مثل الأخ اليوشع الذي أكد مكررا أنه لا يوجد اقتصاد حر بالكامل وأن الاقتصاد الحر البعيد عن أي تدخل مجرد وهم. وبالطبع نتبنى هذا الكلام تماما. فعلى رغم كل الحبر الذي يراق والكلام الذي يهدر عن الحرية الاقتصادية للجميع، وعن أن هذه الحرية هي دين القرن الواحد والعشرين، نورد هنا بعض المظاهر مثلا لا حصرا للتأكيد على كمية الوهم الذي يروج في هذا الكلام. الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على ترويج صناعة الطيران لدى البوينج والأيرباص واتهام كل طرف منهما للآخر بمخالفة اتفاقيات التجارة الحرة بدعم الشركة التابعة له. التسهيلات التي تقدم اليوم في أوروبا الغربية لهنود أوروبا (أعني العمال المهاجرين من الدول الأوروبية الشيوعية السابقة) على حساب بقية العمال المهاجرين من آسيا وأفريقيا، حتى أن دخول رومانيا وبلغاريا في جسم الاتحاد الأوروبي اعتبارا من أول يناير/ كانون الثاني 2007 تم الاحتفاء به وبمليون مهاجر يتوقع أن يدخلوا سوق العمل الأوروبي الغربي لينافسوا القادمين من دول ''التطرف الإسلامي''. الحواجز التي وضعتها الولايات المتحدة على واردات الملابس الصينية، والتي خلقت نزاعا داخليا في الولايات المتحدة بين تجار الملابس المطالبين بالحرية وصناع الملابس المطالبين بالحماية. الدعم الأميركي لشركات الصلب الأميركية حسب برنامج مضاد للإغراق، ورد اليابان بالمقابل على هذا الإجراء الأميركي. الحواجز الموجودة في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية أمام الواردات الزراعية الأفريقية، لكيلا تنافس المنتوجات الزراعية المحلية. وغير ذلك من الإجراءات التي تطبقها دول مؤسسة لمفهوم حرية الاقتصاد وحرية السوق، وتوفر فيها قدر من القوة والتأثير في صنع القرار لأصحاب المصلحة من منظمات نقابية ومدنية ومجالس تشريعية، فكيف بنا ونحن نتحدث عن اقتصادنا وهو اقتصاد جمع أمراض الاقتصادات الحرة والموجهة من دون مزاياها. لا نؤسس لتشاؤم إذا ما قلنا إن فوارق الدخل تتنامى في مجتمعنا والتضخم يتصاعد خصوصا في السلع الأساسية لحياة الإنسان، كالسكن والغذاء فضلا عن الرفاهية التي هي أيضا أساسية في المجتمعات المعاصرة. وتلك الليلة بدا أكثر من مداخل وهو قلق على تآكل الطبقة الوسطى، التي لم يعد أفرادها قادرين على شراء سيارة أو بناء منزل وهم الذين كانوا يمثلون طموح الطبقات الدنيا. على أي حل لهذه المعضلات إذن أن يترك غرف الأيديولوجيا وأن يتلمس الواقع بعيدا عن ترويج الليبرالية المطلقة بنفس الطريقة التي روجنا بها الاشتراكية ذات يوم، فلا طلنا بلح الاشتراكية ولا عنب الرأسمالية.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق