وسط انشغال الناس بالاستحقاق النيابي، وانشغال الجمعيات السياسية بالمشاركة والمقاطعة وانشغال النقابات بتعديل الأجور والعلاوات وانشغال بعض النقابيين بمعارك الكراسي وانشغال محدثي النعمة بالاكتتاب في بنك ‘’س’’ أو ‘’ص’’ وانشغال البرلمانيين بالحصول على مزيد من الاعتمادات في الموازنة، لكي ترضي جشع ناخبي الدورة المقبلة عبر العلاوات أو الزيادات في الرواتب للمواطنين أو الخ، لعل وعسى أن يتكرم الناخبون باختيار هؤلاء النواب من جديد وانشغال الراديكالية السياسية بمعركة الدستور العقدي. وسط ذلك كله - وحسب منطق جماعة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة - لا يجب أن يتوقف أحد ليتساءل عن مئات القتلى فرادى ومثنى وثلاث من العمال المهاجرين في قطاع الإنشاءات. هذا القتل الذي يتم في صمت غريب وتجاهل تام. صمت تواطأ عليه - ضمنا أو صراحة - ليس فقط المسؤولين الرسميين، بل حتى الناس العاديين، وليس فقط أصحاب العمل الجشعين، بل حتى بعض العاملين المواطنين الذين لا يرون في العامل المهاجر سوى مشرد جاء ليأخذ أموال البحرين ويرسلها الى الخارج.بل لا يستحي بعض الباحثين كلما طرح موضوع حقوق العمالة المهاجرة أن يعتبر المشكلة أصلا هي في تحويل الأموال لا في حقوق العمال!.وماذا يهم أصلا لو قتل نيبالي غرقا في ساحل البديع؟ أو سقط هندي من سقف مجمع تحت الإنشاء؟ أو صعقت الكهرباء بنغاليا راتبه 30 دينارا في بناء المدينة الشمالية أو الشرقية التي ستحل المشكلة السكنية؟ بل ماذا يهم أصلا لو سجنا مجموعة من العمال المهاجرين في منزل صاحب عمل ريثما يحصل على فرصة لتسفيرهم وتركهم ثلاثة أيام من دون أن يسأل عنهم أحد؟ وماذا يهم لو انتحر عامل باكستاني بعد أن فقد الأمل في أن يوازن بين ما يأكله وما يرسله من راتبه الحقير؟ وبعد أن فقد الأمل في أن ترتقي معاملته من الحيوانية إلى الإنسانية؟ وماذا يهم لو وافق العامل المهاجر على الدخول في حاوية يرفض البحريني الدخول فيها للتنظيف أو للتعبئة بمادة سامة أو مسرطنة؟ من تراه يكترث لعامل لا يتجاوز راتبه قيمة جلسة علاجية واحدة لعلاج السرطان؟ الأكثر مفارقة من كل ذلك، أن تقمع مناقشة حقوق العمال المهاجرين في أوساطنا الشعبوية بحجة ‘’خل المواطن أولا يحصل حقه قبل ما تطالب بحق الأجنبي؟’’ أو ‘’هل نحن خلصنا حقوق المواطنين حتى نتكلم عن الأجانب؟’’. منذ أسابيع وفي إحدى الشركات، شهدت واقعة حادث مروري في إحدى الشركات المتوسطة حين رجعت السيارة للخلف ومن دون انتباه السائق صدمت مسرعة عاملا أجنبيا وكسرت منه ضلعين. اللافت أن شغل المسؤولين الشاغل كان هو كيف يمكن إنقاذ السائق البحريني من التوقيف في المرور وليس مدى خطورة إصابة العامل ولا كيف يمكن علاجه أو من سيتابع حالته، لقد ترك إلى مصيره في مجمع السلمانية الطبي من دون أن يدري أحد ما مصيره. سبعون ألف عامل لا يسأل عنهم أحد، في أسوأ القطاعات في ظروف وشروط العمل والحقوق، إلى حد يشبه السخرة، ونعني به قطاع الإنشاءات. نحن ندرك اليوم صعوبة العمل في هذا القطاع وخطورته. وتاريخيا كان هذا القطاع قطاع سخرة واستعباد إذا ما تذكرنا القتلى المصريين في إنشاء قناة السويس في القرن التاسع عشر، بل أجدادهم القتلى الذين سخروا لبناء قبور الفراعنة قبل 8000 سنة. وعالميا، فإن ما يزيد على 80% من عمال قطاع الإنشاءات في العالم هم من غير المواطنين. في أوروبا الغربية مثلا، يعمل في هذا القطاع الأوروبيون الشرقيون الذين فقدوا أمن الشيوعية ولم ينالوا رفاهية الرأسمالية، وفي الخليج يعمل المهاجرون من شبه القارة الهندية (الهند ونيبال وبنغلادش وباكستان) وفي لبنان يعمل السوريون الذين لم توفرهم رصاصات الخلاف اللبناني السوري من دون أن تكون لهم ناقة ولا جمل، وفي المغرب العربي يعمل الصينيون في هذا القطاع. هي صعوبات يختص بها هذا القطاع أكثر من غيره منذ الأزل، ولكنها لا تبرر الصمت والتجاهل. لقد تجاوبت الإمارات حديثا مع حركة احتجاج عمال هذا القطاع بتحسين بعض شروط العمل ومنع العمل بين الواحدة والثالثة ظهرا في الصيف في هذا القطاع. في البحرين، وفي العام 2005 فقط، وقع في هذا القطاع وحده نحو 1500 حادث عمل، أطبق عليها الصمت، فلم يسأل عن ضحاياها أحد، ولم يؤبن قتلاها أحد. ولم يقف مسؤول حكومي أو نقابي ليقول لصاحب عمل: من أهدر هذا الدم ومن سمح بهذا الموت المجاني؟ وثمة أسئلة تدور حول دقة هذا الإحصاء الصادر عن هيئة التأمينات وهل هو مقتصر فقط على المؤمن عليهم ضد إصابات العمل أم يشمل كل الإصابات؟ لقد قرأت بالأمس حادث قتل عامل نيبالي في مقتبل العمر غرقا في حادث انقلاب رافعته في البحر في إنشاء المدينة الشمالية. لكن لم أقرأ كيف مات؟ وكم هي عدد ساعات العمل التي عملها في ذلك اليوم؟ أتراه عمل لاثني عشرة ساعة حتى أنهكه العمل فلم يتحكم في الرافعة، حيث إن تجاوز عدد ساعات العمل المسموح بها قانونا أمر مألوف جدا في هذا القطاع؟ أتراه كان وهو الشاب (33 سنة) يفكر في حساب عدد الدنانير الزهيدة التي سيرسلها إلى أسرته في نيبال والتي سيلومه عليها ‘’باحثون متخصصون’’ في نقد العمالة المهاجرة؟ لم أقرأ شيئا عن هذا الإنسان المجهول، الذي أعرف أنه لن يكون سوى دم يضاف إلى دماء كثيرة سبقته في حفرة الصمت والنسيان. كلما هنالك أن محرر الخبر أضاف الى خبر مقتل العامل أن المدينة الشمالية هي مشروع طموح وسيحل جزءا كبيرا من مشكلة السكان، وأن المدينة ستضم مساكن ومدارس ومستشفيات وغيرها. لست وصيا على نية المحرر من هذه الإضافة، ولكن هذا هو ضمنا المنطق التلقائي الذي يبرر لا إراديا تجاهل حقوق العاملين في قطاع الإنشاءات أن ما يقومون به أهم من أن نعطل سيره بالتحقيق قي حادثة هنا أو إصابة هناك. ففي النهاية علينا ألا نكترث.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق