الثلاثاء، 9 يونيو 2009

فقراء غير أجراء 6/11/2007

منذ الفترة السابقة على قانون النقابات وإبان مرحلة اللجنة العامة لعمال البحرين حتى اليوم وقد تحدد الإطار الذي يعمل ضمنه ممثلو العمال، وهو إطار العمال الأجراء الذين يعملون لصالح أصحاب عمل آخرين، أي الذين يتقاضون أجراً ثابتاً مقابل بيع قوة عملهم. غير أن الواقع الاقتصادي أفرز ومازال يفرز كما نعلم كثيراً من الفئات التي تنشأ على هامش الاقتصاد فتصبح بين الفئتين، أي بين الأجراء وأصحاب العمل، فلا هم أصحاب عمل بالمعنى الذي نقصده من استقرار الدخل وهيكلية المؤسسة ومتانتها ومكانتها في سوق المنافسة وفي الوقت نفسه ليسوا أجراء من حيث هويتهم الاقتصادية، فهم إما يعملون لأنفسهم أو يديرون مؤسسات لا يزيد عدد العاملين فيها على أصابع اليد. ولتوضيح الصورة أكثر ندخل في التصنيف الذي نعيشه اليوم وأين تقع هذه الفئة على مستوى الدفاع عن حقوقها الاقتصادية. على مستوى الحقوق الاقتصادية، يمكن القول إن المجتمع اليوم ينقسم إلى طرفين كبيرين أولهما وأكبرهما العمال الأجراء ممثلين في منظماتهم النقابية والتي يقودها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين وهي المنظمات المشمولة بقانون 33 لسنة 2002 وتحمل على عاتقها الدفاع عن أعضائها خصوصاً، وعن العمال عموماً، وثانيهما وأقواهما نفوذاً طرف أصحاب العمل ممثلين بغرفة تجارة صناعة وتجارة البحرين وبالطبع من دون وجود منظمات فرعية وهي المنظمة التي تدافع عن عموم أصحاب العمل في الملفات المختلفة، سواء أمام الدولة أو أمام العمال. بين هاتين الفئتين تقع فئة أصحاب المؤسسات الصغيرة أو متناهية الصغر، وهي تمثل الجزء الأكبر من المؤسسات الاقتصادية في البلاد ويملكها آلاف المواطنين ويعيش من وراء دخلها آلاف العائلات. مشكلة تمثيل هؤلاء ليس لها حل حتى الآن. ويرتبط هذا الإشكال بسبب طبيعة هذه الفئة التي جزء كبير منها يعمل بنفسه لصالح مؤسسته، أو ما يسمى «self employed»، ما يجعل تحديد هوية هذه الفئة من الصعوبة بمكان. فمن ناحية كونهم أصحاب عمل يمكن وضعهم ضمن فئة أصحاب العمل ومن ناحية مستويات دخول بعضهم والظروف التي يتعرضون إليها في وسط عالم شديد المنافسة لا يرحم المؤسسات الصغيرة يمكن وضعهم مع العمال، بل ربما نجدهم في بعض الحالات إذا ما قورنوا بمن يعملون في مؤسسات مستقرة وقوية أسوأ حالاً من الأجراء مع أن مسماهم هو «أصحاب عمل».وتروي بعض المصادر التاريخية مثلاً أن أول اتحاد عمال في البحرين أنشئ في الخمسينات لم يضم الأجراء فقط، بل أيضاً أصحاب الحرف والمؤسسات الصغيرة. وفي منظمة العمل الدولية اليوم تعتبر هذه المؤسسات إحدى وسائل القضاء على البطالة ومكافحة الفقر، خصوصاً في عالم تضيق فيه فرص العمل المأجور. ثمة أمور تدفع بهذه الفئة إلى مزيد من التهميش والانحدار من الطبقة الوسطى إلى ما تحت خط الفقر بشكل يجعلها أكثر حاجة إلى جهة منظمة تدافع عن هذه الفئة. من أهم هذه الأسباب شدة المنافسة وانفتاح سوق البحرين الصغيرة على المؤسسات الضخمة والكارتلات ومجمعات التسويق الضخمة ونستطيع بقليل من التأمل أن نرصد الصعوبات التي تعرض إليها مثلا أصحاب المؤسسات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في المنامة إثر فتح مزيد من مجمعات التسويق في السيف وسترة وغيرها من المناطق واندلاع حمى هذه المجمعات في كل منطقة من مناطق البحرين بشكل سيهدد حتى أصحاب الدكاكين والحوانيت المهملة في المدن والقرى والأحياء، وسيجعل أصحابها عرضة للضياع والتحول هم وأسرهم إلى جيش الفقراء. ويؤكد بعض الشهود مثلاً أن مجمع سترة أودى ببعض البرادات الصغيرة والمتوسطة إلى الإفلاس. كما نعلم مثلاً أن خصخصة النقل العام وتكييف حافلاته بعد الخصخصة نقل زبائن سيارات النقل (البيكبات) إلى سيارات «كارس»، ومع مزيد من نشوء المؤسسات التسويقية الضخمة سيلقى بالمزيد في مستنقع الفقر والحاجة.كما سيؤدي إصلاح سوق العمل بالتأكيد إلى انهيار بل اختفاء بعض هذه المؤسسات ذات العمالة الصغيرة من الخارطة الاقتصادية، ونحن نعلم أن مشروع إصلاح سوق العمل هو مشروع مؤلم في بعض جوانبه ولا شك، ولكنه الألم الضروري الذي لا مفر من المرور عبره لاختبار هذا المشروع وما يمكن أن ينتج عنه من زيادة توظيف العمالة المحلية ورفع مهاراتها.من بقي إذاً لهذه الفئة ليدافع عن ظروفها ومشكلاتها؟ نعتقد أن كلا من العمال وأصحاب العمل عليهما كطرفين شريكين في الإنتاج الجلوس معاً لحل هذه المعضلة.فمن ناحية الهيكلية التنظيمية والقائمة على تصنيف قانوني لمن يحق الانتماء للمنظمات النقابية، ليس هناك حتى الآن مكان لهؤلاء، ومن ناحية أصحاب العمل ومع علمنا أن كل صاحب عمل أو سجل هو تلقائياً عضو في غرفة التجارة والصناعة، إلا أننا نعلم أن هذه العضوية لا تعني أن الغرفة في وضع يجعلها تتبنى هذه الفئة وهمومها، خصوصاً مع معرفة أن الغرفة فيها طبقات مختلفة من أصحاب العمل يسيطر فيها بالتأكيد الأقوى نفوذاً وحضوراً، تماماً كما هي الحال في سوق العمل، وكما هي الحال في العمل النقابي، حيث للنقابات الأعرق والأٌقوى الدور الأكثر تأثيراً في مسيرة الاتحاد العام للنقابات.وإذا ما وضعنا في اعتبارنا أن غاية كل نضال اقتصادي هو مكافحة الفقر ونقل الأفراد والجماعات مما دون خط الفقر إلى ما فوقه لآمنا بأن مشكلة هذه الفئة لا يجب أن تكون محل تجاذب بين منظمات أصحاب العمل والعمال، بل محل توافقهم وعملهم المشترك. إن انهيار هذه الفئة الذي يحدث الآن بصمت ومن دون أن يلاحظه أو يرصده أحد رصداً دقيقاً هو انهيار سيؤثر سلباً على كل من العمال وأصحاب العمل ومنظماتهم.إن تحول مزيد من فئة صغار المؤسسات والموظفين إلى حساب أنفسهم من مستوى القادرين على العيش والصمود إلى مستوى العاطلين والمحتاجين سيعود بالضرر على منظمة العمال، حيث تؤدي زيادة العرض من العاطلين كما نعلم دائماً إلى الضغط على معدلات الأجور كما سيعود بالضرر أيضاً على منظمة أصحاب العمل، حيث سيضعها أمام مسؤولياتها تجاه فئة محسوبة عليها، كما سيضر انهيار هذه المؤسسات بالمؤسسات الأخرى التي تتغذى عليها ضمن السلسلة الاقتصادية.لا نزعم في مقال كهذا وضع حلول جاهزة، بل ندعو فقط إلى لفت الأنظار لهذه الفئة في وقت يبدو فيه كل من العمال من جهة وأصحاب العمل من جهة أخرى بعيدين كل البعد عن تحسس هذه الفئة وهمومها والمخاطر التي تحيط بها.لسنا متفائلين جداً بأن ينجح كل من منظمات أصحاب العمل والعمال في وضع أجندة مشتركة لحماية هذه الفئة، حيث مازال الحوار الاجتماعي بين هاتين المنظمتين غائباً أو هشاً، خصوصاً في ضوء انعدام الثقة وضعف التواصل، لكن نأمل أن يستيقظ هذا الغياب لنرى أن اقتصاد القرن الواحد والعشرين لا ينقسم ببساطة إلى أصحاب عمل وأجراء، بل يقع ما بين هاتين الفئتين كثير من المهددين بالفقر من دون أن يلحظهم أو يدافع عن حقوقهم أحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق