الاثنين، 8 يونيو 2009

الوجه الآخر لفصل النقابيين 05/08/2007

برغم ما في فصل النقابيين من ألم يكابده كل نقابي بل كل عامل وهو يرى أن يد الفصل وقطع الأرزاق تطال خصوصا أولئك الذين أخذوا على عاتقهم عبء الدفاع عن أرزاق غيرهم ووضع الأسس لبناء شراكة حقيقية وحوار اجتماعي حقيقي بين أصحاب العمل والعمال ورغم ما في هذا الفصل من ترهيب قد ينسحب على المستقبل فيخيف النقابيين من المواجهة أو يخيف العمال من تأسيس نقابات أصلا حيث لا توجد من جهة كما يخيف من جهة أخرى بعض أصحاب العمل من قبول تأسيس هذه النقابات حيث لا توجد في مواقع عملهم، نقول بالرغم من كل هذه السلبيات إلا أن هناك وجه إيجابي لهذا الفصل الجائر وهو معرفة أن النقابات قادرة على أن تؤثر وأن تحدث التغيير، الأمر الذي يجعل أصحاب العمل غير المحبذين للتغيير يعملون على اتقاء هذه النقابات بتسريح النقابيين.لقد اختصر جليل العرادي النقابي السابق قصة التحول في التعامل مع النقابيين من مصادرة الحرية في الفترة السابقة إبان قانون أمن الدولة من خلال الاعتقال إلى مصادرة الرزق وهو ما ترجمه عبدالله جناحي ليلة ندوة وعد بالتحول من القمع الأمني إلى القمع الإقتصادي، أو من القمع خارج القانون إلى القمع بالقانون، أو بإساءة تفسير القانون إذا صح التعبير. ما يهمنا أولا في هذا المقال هو التركيز على أن عمليات الفصل هذه تكشف عن ضعف وفقدان القوة الإدارية في التعامل مع الموضوع النقابي، وأن النقابات التي يزعم خصوم العمل النقابي اليوم وخصوم القيادات النقابية أنها غير قادرة على أن تفعل شيئا هي على العكس قادرة على أن توجع وعلى أن تحدث التحول الذي تخشاه الإدارات المحافظة التي تريد أن تسد باب التغيير وتتعامل بمنطق الآمر الناهي الذي كان سائدا قبل إطلاق قانون النقابات 33 لسنة .2002 لقد شهد ما أسميناه في مقال سابق ''عام الأجور'' وهو الفترة الممتدة من أواخر عام 2006 حتى النصف الأول من عام 2007 إنجازات عدة في مواقع مختلفة وتمكنت النقابات في عديد المواقع من المنشآت الصغيرة إلى المتوسطة فالكبيرة من إحداث اختراق في مستوى الأجور والعلاوات والمكافأت الذي استمر طويلا دون تغيير رغم ما مر به الإقتصاد الوطني من ظواهر التضخم الذي التهم أجور العمال ووصل إلى تآكل مدخراتهم. صحيح أن ما أنجز حتى الآن ما زال دون الطموح لكن في بعض مواقع العمل تمكنت النقابات من الوصول بزيادة العلاوات والأجور إلى 100% خصوصا حيث كانت هذه الأجور والعلاوات في حدودها الدنيا، وبدأ أصحاب الأعمال في التفكير بشكل مشترك في مواجهة هذه القوة النامية التي اكتسبتها النقابات في مواقع العمل والتي استطاعت عبر العمل المجزأ في كل مؤسسة على حدة من تحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه القوى السياسية مجتمعة معارضة وموالاة داخل البرلمان وخارجه. وثمة دخان يتداوله النقابيون في أحاديثهم الخاصة ليس من دون نار طبعا وهو أن إجراءات الفصل والتعسف ضد النقابيين متفاهم عليها بين إدارات كبار الشركات على الأقل. من يتطلع إلى الوضع النقابي اليوم على علاته وصعوباته وإخفاقاته يشعر بأنه الوضع الأكثر حيوية وحراكا سواء في شكله المطلبي الذي ينجز كل يوم خطوات صغيرة على الدرب الطويل باتجاه خلق بنية أجور تتلاءم مع الحد الأدنى من تكلفة المعيشة أو في شكله التشريعي باتجاه تبني المزيد من التشريعات التي تحمي النقابيين وحريتهم أو في شكله التأسيسي الذي يشهد معدل تأسيس نقابة أو اثنتين كل شهر من أصغر مواقع العمل إلى أكبرها. هذا يعني أن عمليات ترهيب النقابيين بالفصل والتسريح أو التعسف لم تزد العمل النقابي إلا قوة وحضورا. ولكن على النقابيين ألا يركنوا إلى الثقة الزائدة بالذات وعليهم بمقدار ما يستخدمون قوتهم في الرفض والتصدي لمختلف عمليات التعسف من الفصل وغيره أن يركزوا أيضا على خلق مقومات الصمود التي تجعل النقابي آمنا على الحد الأدنى من دخله وهو يغامر بالتضحية من أجل منظمته النقابية وأهدافها. ويأتي على رأس وسائل تعزيز مقومات الصمود التركيز على دفع الاشتراكات وصبها بأكملها في صندوق دعم النقابيين والتفكير في اتباع ما أعلنت عنه عمومية بتلكو من خطوات خلاقة بتأسيس استثمارات ولو بشكل محدود تضمن تأمين دخل لكل من يفصل من عمله بسبب نشاط النقابي حتى تحكم المحكمة بعودته أو بتعويضه إذا لم يرغب في العودة، بالإضافة إلى العمل على شموله بتعويض التأمين ضد التعطل منذ لحظة فصله حتى الحكم. لا يمكن بعد اليوم الحديث عن نقابتي ونقابتك وعن أنني في نقابة صغيرة أوكبيرة. أصبح حديث مثل هذا ممجوجا بل مستهجنا، حيث على النقابيين اليوم الانتقال من خريف الغضب إلى التركيز على صناعة بيئة حاضنة لمن يتعرض للفصل بسبب نشاطه النقابي تجعل النقابي قبل المواجهة مع صاحب العمل مدركا لنتائج هذه المواجهة ومطمئنا على قدرته في مواجهة هذه النتائج. من المؤسف جدا أن ندوة وعد تلك الليلة على أهميتها الكبيرة قد تركزت مداخلات الموجودين فيها على التعبير عن الغضب، بل إن الغضب هو ما نحسن صنعه حتى الآن وهو مهم طبعا في شحذ الهمم والتحشيد باتجاه الهدف الرئيس بعودة المفصولين ولكن الغضب ليس أهم من سؤال (ما العمل؟) إذا كنا نتوقع أنه مع الحراك النقابي القوي في مختلف مواقع سوق العمل سوف يكشر المزيد من أصحاب العمل عن أنيابهم وسوف يصبح سؤال التعددية (كم اتحاد نريد؟ ) و(كم نقابة في منشأة نؤسس؟) سؤالا نافلا ليحل مكانه (كم خطر علينا أن نواجه كنقابيين؟ ) و(كم نملك من الوسائل والأساليب في مواجهة هذه الأخطار؟) نحن اليوم أمام تحولات لا يمكن التعامل معها فقط بمنطق الستينات والسبعينات حيث كانت السلة واحدة وهي سلة الصدام حتى آخر حدود المواجهة بما فيها الاستشهاد. نحن اليوم أمام شكل شهادة الحياة، حيث على النقابي أن يستشهد لا ليغيب عن الحياة بل ليواصل استشهاده وحيث سينزف ليس دما بل وقتا وحضورا ومجابهة ويحتاج لأن يحظى بالوقود الضروري ليواصل هذا الاستشهاد الحضوري. تلك هي جدلية العمل النقابي اليوم حيث سيكون على الناشط نقابيا ليس فقط أن يعمل على تغيير واقعه ولكن أن يعمل أيضا على تغيير ذاته والإبداع في مواجهة أطراف أخرى تحولت في إستراتيجيتها من سفك دماء النقابيين إلى سفك أرزاقهم وهو أخطر إذا ما تذكرنا قول آبائنا المأثور الذي عبر عن حكمة الزمن العميقة (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق