ما أن تقرأ هذا الخبر، حتى تقول لنفسك هذا رجل لا يكف عن البطولات. فبعد أن قضى معظم حياته سجينا مدافعا عن حقوق شعبه في الحرية والكرامة الإنسانية ومدافعا صلبا في الوقت نفسه عن الكفاح السلمي والتطور والتقدم، بحيث لم تأخذه أجندته المضادة للعنصرية والتمييز إلى منعطفات يتحول فيها من موقع الضحية إلى موقع الجاني، أو يشغل نفسه بانتقام السود من البيض أو انتقام المميز ضده ممن قام بالتمييز، حيث أدرك مانديلا بتجربته الطويلة والعميقة أن مهمة المظلوم كما قال ذات كتابة المفكر فرانتز فانون ليس تحرير نفسه من الظلم فقط بل تحرير الظالم أيضا من طغيانه. وبعد أن حصل على ما يقارب مئة جائزة جميعها ذات قيمة إنسانية ومعنوية كبرى منها جائزة نوبل للسلام العام 1993 مناصفة مع رئيس جنوب أفريقيا فريديرك دوكليرك الأبيض الذي أسقط النظام العنصري وبعد أن ترأس أول دولة غير عنصرية في بلاده بعد سقوط نظام ''الأبارتهيد''، وعرف بإعلانه الشهير بأن مكافحة الفقر هي مكافحة أمراض العالم جميعا، وجعل من مكافحة الفقر موضوعا رئيسا على الأجندة العالمية، مازال في جيب هذا الرجل الكثير من البطولات، أو قل إن العالم مازال يدين بالكثير لهذا الرجل الاستثنائي في القرن الواحد والعشرين. وتشعر وأنت تتصفح حياة هذا الإنسان الذي سيكمل عامه التسعين في العام المقبل 2008 أنك تستعيد في قرن العولمة وطغيان المنفعة على القيمة شيئا من الوهج الرسالي الذي حمله المصلحون والرسل منذ بدء الخليقة مرورا بعصر الأنوار حتى يومنا الحالي. في الثالث والعشرين من مايو/ أيار 2007 أعلنت منظمة العمل الدولية في جنيف نيلسون مانديلا فائزا بأول جائزة للدراسات للعمل اللائق تقدمها منظمة العمل الدولية، وهي جائزة وضعها المعهد الدولي للدراسات العمالية في جنيف التابع للمنظمة تأكيدا على أهمية البحوث والدراسات في فهم ونشر وتعزيز مفهوم العمل اللائق، وحيث سيتسلم مانديلا الجائزة في ختام مؤتمر العمل الدولي في 15 يونيو/ حزيران المقبل 2007 أمام ما يناهز ثلاثة آلاف عضو في المؤتمر يمثلون أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومات وأصحاب العمل والعمال) في 180 دولة عضوا في المنظمة. وجاء في أسباب منحه الجائزة أنها تقدير لما قدمه مانديلا من الوقت طيلة حياته في سبيل المعرفة والتفاهم والدفاع عن القضايا لتي تمثل الاهتمامات المركزية لمنظمة العمل الدولية وجهوده الدائمة بلا توقف من أجل مكافحة الفقر وجعل العمل اللائق على رأس أجندة صناع السياسات في جنوب أفريقيا خصوصا والعالم عموما. ولكي نعرف إسهامات هذه الشخصية العظيمة في تحقيق أهداف منظمة العمل الدولية خصوصاً على صعيد العمل اللائق، علينا أن نعود قليلا لتاريخ هذا المفهوم الذي ظهر للوجود مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين حين اختصر خوان سومافيا مدير عام منظمة العمل الدولية أهداف المنظمة بقوله في مؤتمر العمل الدولي العام 1999 ''إن أهداف منظمة العمل الدولية اليوم هي خلق الفرص للنساء والرجال ليحصلوا على عمل لائق ومنتج وآمن في ظروف من الحرية والمساواة والأمن والكرامة الإنسانية''.ومن هذا المانفيستو الصغير في عبارته الكبير في مضمونه اشتقت الأهداف الاستراتيجية الأربعة لتحقيق العمل اللائق في سوق العمل وهي: المبادئ والحقوق الأساسية في العمل ومعايير العمل الدولية، فرص التوظيف والدخل، الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، وأخيرا الحوار الاجتماعي والثلاثية. وقد شن مانديلا طيلة حياته خصوصا بعد تقاعده عن العمل السياسي حربا لا هوادة فيها على عدوه الرئيس، الفقر، واعتبره مصدر الأخطار جميعا، وهو ما يتسق تماما مع دستور ومبادئ منظمة العمل الدولية التي جاء في مستهلها أنه لا يمكن تحقيق السلام والتطور في العالم إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي خطبته الشهيرة التي ألقاها في الطرف الأغر في لندن في فبراير/ شباط 2005 حين دعي لإطلاق حملة مكافحة الفقر ''لقد أعلنت تقاعدي، ولكن كيف لنا أن نستريح طالما يوجد الفقر واللامساواة وفقدان العدالة الاجتماعية في العالم. صحيح أننا تخلصنا من العنصرية ولكن الفقر والعوز والحاجة هي أيضا مثل العنصرية من صنع الإنسان ويمكن للإنسان القضاء عليها. نعم نستطيع أن نجعل الفقر جزءا من التاريخ''. هكذا يأتي تعميد منظمة العمل الدولية لمانديلا بجائزة دراسات العمل اللائق، مع أنه لم يكن يوما أكاديميا، بل إن أكاديميا كبيرا سيمنح معه أيضا ذات الجائزة هذا العام وهو الباحث البروفسور كارميلو ميسالاغو من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، والذي تخصص في البحوث المتعلقة بالحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي لعلاقتها بالعمل اللائق، يأتي ذلك ليعطي مكانة لمانديلا في شخصيته المتجددة، ولكن الأهم ليعطي أهمية لمفهوم العمل اللائق وللتوعية به في أوساط الناس ليصبح استراتيجية عامة ذات أهداف محددة توجه السياسات الوطنية والعالمية والإقليمية لمكافحة الفقر، المرض الكبير في عصرنا الحالي، المرض الذي يحوي أكبر عدد من المصابين، والذي كما قال مانديلا أولى بالمحاربة قبل كل الأمراض بما فيها الإيدز لأن الحرب على الفقر حرب على الشر كله في العالم كله.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق