كنا في الأسبوع الماضي بنادي العروبة مع أحد أبرز خبراء تشريعات العمل، الدكتور يوسف إلياس الذي يحمل خبرة واسعة نظرية وعملية في صياغة قوانين العمل، في ندوة ذات أهمية كبيرة تحدث فيها المنتدى عن كتابه حول أزمة قانون العمل بين تدخل الدولة ومذهب اقتصاد السوق وتحولات سوق العمل العالمي وعلاقة هذه التحولات بتكيف قانون العمل معها بحيث تتلاءم تشريعاته مع متطلبات سوق العمل. وبقدر ما لفت نظري مبادرة اللجنة الثقافية بهذا النادي العريق باستضافة هذا المفكر والقانوني بعد اطلاعهم على كتابه القيم بقدر ما لفت انتباهي هذا الغياب المذهل ممن كنا نتوقع أن نجدهم هناك من الناشطين النقابيين والنواب في ظل أزمة عالمية بالفعل تمر بها تشريعات العمل وفي ظل اقتراب مناقشة هذا القانون بمجلس النواب، ولا أعلم حقيقة من المسؤول أهو عزوف من يهمهم الأمر عن الحضور أم كان هناك قصور في توصيل الدعوة للندوة. وأشار الباحث إلى قاعدة فقهية تقول إن القوانين زمنية ومرتبطة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجتها وبالتالي فقد أصبح قانون العمل المعاصر أمام سؤال ملح، وهو هل يعبر القانون القائم حاليا عن التغيرات التي مرت بسوق العمل؟وتتلخص فكرة الباحث في ملاحظته من خلال علاقته بعالم تشريعات العمل عربيا ودوليا بأن قانون العمل المعاصر قد دخل مرحلة الأزمة بدءا من مرحلة الثمانينيات بسبب مجموعة من التحولات الإيديولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فقد تحولت الثنائية القطبية إلى قطب واحد مهيمن مع عدة أقطاب صغرى، وبرزت ظواهر مثلت أهم ملامح سوق العمل المعاصر، من أهمها زيادة معدلات البطالة وخصوصا بين فئة الشباب والنساء وزيادة عدد العاملين في القطاع غبر المنظم والقطاع شبه المنظم والذين لا تحميهم قوانين العمل وغير المشمولين بالحماية الاجتماعية وظهور فئات جديدة من الشغيلة مثل العاملين في منازلهم والعاملين عن بعد والعاملين لبعض الوقت.وعرض الباحث للأجواء التي تأسست فيها والقاعدة التي قامت عليها منظمة العمل الدولية بوصفها جاءت على خلفية ما ولدته الثورة الصناعية والليبرالية المبكرة من إطلاق ليد ملاك وسائل الإنتاج في صياغة علاقات العمل مع المنتجين وفق مصالح الملاك وهو ما أدى إلى مآس كثيرة وبؤس كانت ضحيته الأجيال الأولى من العمال الصناعيين وأدى إلى اندلاع الثورة الاشتراكية في روسيا ليأتي بعد سنتين منها فقط تأسيس منظمة العمل الدولية كحاضنة وحافظة للعلاقات العادلة في سوق العمل من خلال آليات وتشريعات الحوار الاجتماعي والشراكة الاجتماعية والتأكيد على الحريات النقابية والتعويضات العادلة والحماية الاجتماعية للعمال، وهو ما عنى بشكل أو بآخر أن على الدولة أن تتدخل اجتماعيا وتشريعيا ولا تترك الحرية لرأس المال ليفرض شروطه على المنتجين. وقامت فلسفة منظمة العمل الدولية على مقولة إعلان فيلاديفيا ‘’العمل ليس سلعة بل قيمة اجتماعية’’ وخلال هذه السنوات من عمر المنظمة منذ تأسيسها قام سوق العمل حسب معايير المنظمة على تدخل الدولة من أجل المحافظة على الحد الأدنى من الحقوق العمالية وتوفير بيئة صالحة للمفاوضات الجماعية بين أصحاب العمل والنقابات. ما يحدث اليوم حسب الدكتور يوسف إلياس هو أن عالم العمل كأنه يعود لصيحته القديمة يوم دارت أولى عجلات الصناعة الحديثة حيث تنطلق الدعوات لتخفيف القيود على صاحب العمل من ناحية التعويضات والالتزامات لجعله قادرا على المنافسة معتمدا على خفض كلفة العمل والتحول من تدخل الدولة إلى ما يعرف بمذهب اقتصاد السوق ومن مذهب الحماية الاجتماعية إلى مذهب المواطنة الاجتماعية حيث يتحول عبء الحماية من صاحب العمل والدولة إلى المجتمع. وتأتي هذه التحولات التي يؤرخها الباحث منذ أواخر التسعينيات مترافقة مع حل أجهزة التدخل في الدول حيث يقول إن هناك خمسين بلدا الآن ليس فيها وزارة عمل، ومع ضعف المنظمات النقابية حيث حتى في البلدان العريقة في التنظيم النقابي بدأت النقابية تضمحل ومع توفر فائض كبير من العمالة المهاجرة الفقيرة الراغبة في العمل بشروط أقل وفي ظروف أصعب وبإنتاجية أكبر. أمام هذه التحولات يصف الباحث حال الدول العربية بأنها لا تعرف ماذا تريد بالضبط على مستوى جميع الأطراف، فإذا كانت على مستوى الحكومات قد أجرت تعديلات على قوانين العمل لكنها تعديلات عشوائية غير مبنية على استراتيجية حقيقية لرؤية محددة إزاء تحولات سوق العمل فإن النقابات بحسب الباحث لا تقل سوءا في قدرتها على صياغة رؤية واضحة ومستقبلية ومرنة تجاه هذه التحولات. ويصف الباحث مفاوضات أطراف الإنتاج بشأن التشريعات العمالية بالتخندق في مواقع معينة دون مرونة ما يجعل القوانين تصدر أخيرا فقط كتعبير عن توافق لا بد منه بين أطراف مختلفة أكثر مما هو معبر عن تكيف حقيقي مع تحولات سوق العمل محليا وعالم العمل دوليا.وهنا لا بد لنا من الاستدراك على ما يدور الحديث العمالي بشأنه الآن حول تعديلات قانون العمل، وحيث يبدو النظر في قانون العمل من جهة البرلمان وأطراف الانتاج من جهة وتوجه هيئة تنظيم سوق العمل في المملكة لوضع خطة وطنية لسوق العمل من جهة أخرى وتعديلات قانون التأمينات من جهة ثالثة وكأنها جزر منعزلة عن بعضها. من هنا نرى إذن أهمية ألا يكون هناك أي تحرك لصياغة قانون عمل جديد محل القانون القائم، ما لم تحدد خطة العمل الوطنية والتي تعمل هيئة تنظيم سوق العمل على إعدادها لتصبح جزءا من رؤية النظام السياسي لسوق العمل ماذا نريد بالضبط في العقدين القادمين على الأقل من سوق العمل. هكذا نعود للقاعدة الذهبية التي صاغها الباحث الخبير في تشريعات العمل وهي ‘’لا قانون عمل صالح دون وجود رؤية معينة لأنماط العمل وتحولاته وإفرازاته ومشكلاته وماذا نريد منه’’ قبل صياغة أية تشريعات، لئلا تكون القوانين مجرد نتيجة لمفاوضات الشد والإرخاء والتسويات بين أطراف لا تعرف ماذا تريد هي بالضبط.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق