أتاح لي صندوق المالكية الخيري ونادي المالكية بالتعاون مع الجمعية الأهلية لدعم التعليم والتدريب منذ بضعة أسابيع فرصة التعرف على تجربة تسير في الاتجاه الصحيح بمكافحة الفقر والبطالة ونقص المهارات بخطوات تتجاوز مجرد الاحتجاجات إلى ما هو أعمق وأكثر تأثيرا في الحاضر والمستقبل. أقامت الجمعية المذكورة متعاونة مع المؤسستين ورشة عمل مخصصة للباحثين عن عمل بمقر نادي المالكية شملت موضوعات عن أخلاقيات وسلوكيات العمل وأنظمته ومفهوم العمل، كيفية الإعداد النفسي لسوق العمل، شخصية العامل وحقوقه وواجباته، معرفة الذات وإبراز المواهب والمهارات الكامنة، كيفية إعداد السيرة الذاتية، كيفية البحث عن مصادر الوظائف، التعرف على إجراءات التوظيف وملء استمارة الترشح للعمل، تقنيات مقابلات العمل والاستعداد لها. إن أول انطباع تكوّن لديّ وأنا أرى شابات وشباب هذه المنطقة وهم موجودون ومشاركون في هذه الورشة حضوراً واستماعاً وتفاعلاً، وما نقله لي المنظمون من اهتمام تزايد بحيث ارتفع العدد بمعدل النصف في الأيام الأخيرة من الورشة بل واهتمام المزيد من الشباب بحضور ورشة مماثلة، تكوّن لديّ انطباع بأن هذا هو الاختيار الصعب والعمل النضالي الحقيقي لصناعة مرشحين لسوق العمل يقتحمون هذا السوق ويكافحون التعطل والبطالة. وتساءلت ألا يجدر برجال السياسة أن يسموا هؤلاء مناضلين أيضا، أم أن النضال حكر على أساليب معينة مع كل تقديرنا واحترامنا لمن يمارس هذه الأساليب. لا أصادر هنا حق الناس والعاطلين خصوصاً في الاحتجاج والنضال اليومي ولا أنفي ضرورته وأهميته، لكني قلت أكثر من مرة سواء من خلال الكتابة العامة أو من خلال التحدث المباشر إلى ناشطين في الدفاع عن حق العمل والحماية من التعطل، إنه مع عدم التقليل من أهمية النشاط الاحتجاجي إلا أن هذا النشاط هو استهلاك يومي لقدرات العاطل جسدياً ونفسياً وربما من دون إنجاز حقيقي ما لم يترافق هذا النشاط الاحتجاجي مع عمل على الأرض في سبيل تعزيز قدرات العاطل ليكون منافساً قوياً في سوق العمل. وإذا كان لنا أن نستعير المثل الصيني لقلنا إن مبادرات كهذه التي قام بها صندوق ونادي المالكية وجمعية دعم التعليم والتدريب هي خطوة إشعال شمعة أكثر منها لعن الظلام. لم تأت هذه الورشة بالطبع من أجل تعليم المهارات الفنية الخاصة بنوع معين من الوظائف أو الأشغال المحددة، لكنها ورشة تنمية القابلية Attitude وهي الصفة التي غالبا ما يحتج أصحاب العمل بفقدانها لدى الباحثين عن عمل. المهارات الفنية بالطبع مهمة لكن أهمية القابلية تزيد على أهمية المهارات، ومن المعروف اليوم في سوق عمل مشحون بالديناميكية والمنافسة الحادة بين الأفراد والمؤسسات أن نعتمد المقولة التالية: أعطني عاملا عالي القابلية ضعيف المهارة، ولا تعطني عاملا عالي المهارة ضعيف القابلية. ففي حالة القابلية الأعلى، ليس فقط سيتمكن العامل من إخراج قدراته ومهاراته بشكل أفضل، بل أيضا سيكون العامل قابلا لتعلم وظائف أخرى غير وظيفته واكتساب مهارات جديدة كل مرحلة ليكون مستعدا للانتقال لوظيفة جديدة سواء عند صاحب العمل نفسه أو عند غيره متى ما دعت الظروف. كانت فرصة لي أن أرى الأمل المتوقد يلمع في نظرات هؤلاء -الشباب الذين هم الآن مشروع خريجين أو خريجين حديثا، وهم ينصتون للمحاضرين المتطوعين، فيعيدون تشكيل قدراتهم وتأهيل أنفسهم لدخول سوق العمل. وكانت فرصة أيضا لأن نقول للآخرين - ثمة بحرين أخرى غير بحرين الاحتجاجات، ثمة بحرين الإيمان بالناس وبقدرتهم على تغيير واقعهم ليس فقط من خلال الاحتجاج والتذمر. وعلمت من ممثلي هذه الجمعية الرائدة، الجمعية الأهلية لدعم التعليم والتدريب أنهم ذهبوا بهذا المشروع إلى أكثر من قرية ومدينة ولديهم جدول حافل ببرامج مماثلة في مناطق أخرى من البحرين. ثمة حلقة مفقودة في الكفاح ضد البطالة والفقر تغطيها هذه المبادرات، وهي حلقة صناعة الإنسان القادر على هذه المكافحة حتى رغم الظروف والمعوقات والتمييز والتهميش. صنع إنسان يعلم بأنه في واقع صعب وغير موات لطموحاته، لكن عليه على الأقل أن يطور إمكاناته لهذه المواجهة. ليت مشروعا كهذا لا يبقى حبيس الأندية البعيدة والقرى والضواحي من دون دعم من مؤسسات المجتمع المدني بل والدولة وأصحاب العمل أيضا. نحتاج لمعارضة ليس فقط تعارض الواقع القائم بل تسهم في خلق واقع جديد. ولن يكون ذلك ممكنا من دون تغيير قابلية الإنسان من متذمر وغاضب إلى مقتحم لشروط الوجود وفاعل في معركة تغيير الذات. كانت تلك ليلة تعود بي إلى البحرين كما عرفتها سابقا في متطوعيها الذين يرفعون شعار نكران الذات وخدمة الناس، من دون انتظار مقابل غير أن يكون لإنسان مجتمعاتهم فرصة أفضل لصنع مستقبل أفضل. شعرت بقشعريرة الفخر وأنا أرى هؤلاء الناكرين لذواتهم وتذكرت العظيم جبران وهو يقول مقولته الشهيرة ‘’ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط’’.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق