وهي تكمل هذا العام تسعين عاماً من العطاء من أجل عالم يؤمن ويعيش بالعدالة الاجتماعية منذ تأسيسها العام ,1919 تجد منظمة العمل الدولية نفسها أمام استحقاقات معاصرة لم يعد معها بد من مقاربة جديدة ومختلفة، حيث لم تعد فقط مرجعية إعلان فيلاديفيا 1944 وإعلان المبادئ للحقوق الأساسية في العمل 1998 كافية لتشكل رؤية مشروع المنظمة في هذا العصر. كان لابد إذن من إعلان ثالث يتعامل مع عصر العولمة ولكن يستلهم في الوقت نفسه القيم العليا لهذه المنظمة في الحوار الاجتماعي والشراكة الاجتماعية عبر نظام الثلاثية، هذا النظام الفريد الذي شكل دائما شخصية هذه المنظمة وجوهرها الذي يحق لها الاعتزاز به وهي تقترب من قرنها الأول العام ,2019 وأيضاً تقترب من الدورة المئة لمؤتمر العمل الدولي العام 2011 وحيث بدأ مبكراً وضع أجندة هذه الدورة منذ الآن. لذا جاء الإعلان الجديد وهو الثالث في تاريخ المنظمة تحت عنوان ‘’إعلان منظمة العمل الدولية للعدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة’’ وقد اعتمده مؤتمر العمل الدولي في دورته السابعة والتسعين 10 يونيو/ حزيران ,2008 ليشكل المرجعية المحدثة للمنظمة. كان الإعلان الأول، إعلان فيلاديفيا 1944 قد تركز على رؤية عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية منوها بأن لا سلام ولا أمن من دون عدالة اجتماعية، وأن الفقر في أي مكان خطر على الرفاهية في كل مكان، ومطلقا بذلك سلسلة جديدة من أدوات المنظمة، الاتفاقيات والتوصيات التي ستغير الكثير في عالمنا وستجعل واقع العمل متجها إلى الأفضل. أما الإعلان الثاني، إعلان المبادئ للحقوق الأساسية في العمل 1998 فقد تركز على حصر وتحديد الحد الأدنى المتوافق عليه دوليا من الحقوق الأساسية للعمل ووضعها في ثمان اتفاقيات، تعرف دائما بالاتفاقيات الأساسية Fundamental Conventions وهي على التوالي اتفاقيات رقم 29 بشأن العمل الجبري87 بشأن حماية حق التنظيم، 98 بشأن تطبيق حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، 100 بشأن المعاملة المتساوية في الأجر، 105 بشأن العمل الجبري أيضاً، 111 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة، 138 بشأن الحد الأدنى لسن العمل، و182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال. ومنذ صدور هذا الإعلان تمكنت المنظمة من الترويج للاتفاقيات الأساسية على أوسع نطاق وهناك آلية دورية لمراجعة الالتزام بإعلان المبادئ حيث تقوم هيئة مختصة بالمنظمة بمراجعة الالتزامات والانتهاكات، وتقيم إيجاباً وسلباً التطورات الحاصلة على صعيد تشريعات كل دولة تجاه الإعلان. وإذا كان هذان الإعلانان السابقان يصح وصفهما بأنهما يشكلان الأساس النظري لعمل المنظمة، فيمكن القول إن الإعلان الثالث والذي هو موضوع حديثنا هنا ‘’إعلان العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة’’ يهتم بالجوانب العملية والتنفيذية والتطبيقية ويضع طرق استخدام إمكانات المنظمة المادية واللوجستية ونظام الثلاثية في هياكلها من أجل تحويل العمل اللائق من مفهوم إلى واقع حقيقي، حيث بالوصول إلى معايير العمل اللائق نستطيع مكافحة الفقر وخلق عالم أكثر عدلاً. واللافت في هذا الإعلان أنه أكثر تركيزاً على التزامات المنظمة نفسها بينما كان الإعلانان السابقان أكثر تركيزاً على التزامات الدولة العضو. وفي مقدمته يصف المدير العام للمنظمة خوان سومافيا مهمة الإعلان في تزويد القيادات السياسية وصناع القرار داخل البلدان الأعضاء في المنظمة بآليات ووسائل تساعدهم على مقاربات متوازنة لمشكلات التنمية البشرية تضع في اعتبارها البعد الإنساني البيئي والاجتماعي. وحيث إن التجارة الحرة والعولمة تؤثر تأثيراً عميقا على التشغيل، فإن الإعلان يستهدف العمل على جعل مسألة التشغيل في قلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية. ويعول الإعلان على شركاء مهمين للدولة في مقارباتها لمشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية وهم المنظمات المحلية والنقابات العمالية بما فيها بل خصوصا منها النقابات القطاعية العاملة على الصعيد الدولي والإقليمي كاتحادات نقابية تعنى بالعمل في قطاعات محددة. وتصف المقدمة العصر الذي يأتي فيه الإعلان الثالث بالإشارة إلى مظاهر رئيسية مهمة، هي تناقص الأمن الوظيفي في عالم العمل، تزايد الانتهاكات للحقوق العمالية، تزايد الحديث حول العولمة وتأثيراتها والحاجة إلى أن تعمل المنظمات الدولية بالتعاون فيما بينها لمواجهة هذه الاستحقاقات. ويصف خوان سومافيا هذا الإعلان بأنه بمثابة التجديد الأهم في تاريخ المنظمة منذ إعلان فيلاديفيا 1944 وأنه يمثل فرصة تاريخية ومسؤولية تاريخية أيضاً لتفعيل قدرة المنظمة على استيعاب التحولات الجارية في عالم العمل. في المتن بعد المقدمة وفي القسم الأول المتعلق بمجال العمل وأسس الإعلان في الفقرة (أ) يؤكد الإعلان أنه في سياق التغيرات المتسارعة ينبغي أن ترتكز التزامات الدول الأعضاء بتطبيق مبادئ ومعايير منظمة العمل الدولية على الأهداف الأربعة لأجندة العمل اللائق وهي: زيادة التشغيل، توفير الحماية الاجتماعية، احترام الحوار الاجتماعي والثلاثية، واحترام الحقوق الأساسية في العمل حسب إعلان المبادئ. في الفقرة (ب) يؤكد على أن هذه الأهداف الأربعة لمنظومة العمل اللائق هي مترابطة بحيث أن بطء التقدم في أحدها سيضر بالتقدم في الأخرى وعلى أن المساواة للجندر وعدم التمييز هي جزء من هذه الأهداف الأربعة ولذلك فإن هناك حاجة لوضع استراتيجية متكاملة لتلبية التزامات الدولة العضو في المنظمة. وفي الفقرة (ج) تنص على أن كيفية تطبيق الدولة لاستراتيجية العمل اللائق تعود لكل دولة حسب التزاماتها الدولية حالياً والإمكانات المتوافرة للتضامن العالمي والمساعدة الدولية لتعميم استراتيجية العمل اللائق خصوصاً في ظل الترابط الاقتصادي بين الدول في ظل العولمة.في القسم الثاني والذي يعني بالتطبيق تأكيد على ثلاثة مصادر للمساعدة على التطبيق، المنظمة ذاتها والتي عليها تقديم المعونة الفنية والمادية اللازمة، الدولة العضو بجميع هياكلها الحكومية وغير الحكومية من منظمات ونقابات، والمنظمات الدولية الإقليمية النقابية وغيرها العاملة والتي يكون جزءاً من مهماتها الاهتمام بسياسات العمل. القسم الثالث يتعلق بأحكام نهائية وينص على التزام المدير العام للمنظمة ومكتب العمل الدولي بتوصيل جميع الدول الأعضاء بهذا الإعلان والتزام الحكومات ومنظمات العمال وأصحاب العمل بتعريف المجتمع بهذا الإعلان من خلال الملتقيات والتجمعات. ويضع القسم الرابع نظاماً شاملاً للمراجعة لسير هذا الإعلان وتقدمه بما في ذلك التزامات المنظمة بالمساعدة في الإدارة والتمويل والعلاقات ووضع النماذج والبرامج الاسترشادية الكفيلة بتحويل الإعلان من نظرية إلى واقع. يبقى أخيرا القول إن هذا الإعلان يقارب مشكلة التنمية والتشغيل بوصفها كرة الجميع من حكومات وأصحاب عمل وعمال ومجتمع مدني، ولم يعد مجديا تقاذف هذه الكرة من ملعب لآخر بحيث يصبح اللوم والتجاهل المتبادل سيد الموقف بين أطراف الإنتاج. لقد أقر هذا الإعلان والعالم كان على مشارف الأزمة المالية العالمية والتي جاءت تدق طبولها اليوم لتؤكد أن الاختيارات الخاطئة في الاستثمار لم تعد وبالاً على الفقراء وحدهم بل على الأغنياء والحكومات أيضاً واللذين هما اليوم أحوج ما يكونان ليسمعا بوضوح صوت العمال إن كانا فعلا يريدان تنمية حقيقية ومستدامة. كما أن هذا الإعلان يكتسب عملياً أهمية أكبر إذا ما وضع في سياق ما تقوم به مثلا اليوم أكبر إمبراطوريات الاقتصاد العالمي من تدخل قوي وواضح في تسيير الاقتصاد وصل إلى حد أن تصفه مجلة لنيوزويك بالاشتراكية بعد أن خابت فكرة الحرية بلا رقابة وفشلت فشلا هو الأبعد دوياً منذ عقود بعيدة.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق