الاثنين، 8 يونيو 2009

التوظيف باليمين والبطالة بالشمال 18/06/2006

بغض النظر عن حسن نوايا القائمين على المشروع الوطني للتوظيف الذين لا نشك مطلقا في إخلاصهم وحماسهم للقضاء على مشكلة البطالة، ولسنا أبدا مع المشككين في أهمية هذا المشروع ولا من المطلقين أحكاما مسبقة على نتائجه كما في بعض الآراء التي أدمنت التشاؤم والرفض ضد كل ما هو حكومي. ونعتقد أن هذا المشروع قد يكون من أفضل ما طرح من المشروعات وتوفر له الدعم القوي من أعلى سلطة في البلاد وقاعدة البيانات الواسعة والمحدثة مما يزيد من فرص نجاحه. إلا أن بعض ما يحدث الآن في سوق العمل أشبه بـ ‘’سالفة عرّوه’’ كما في المثل الشعبي القروي. ويضرب هذا المثل على كل شيء لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. فبطلة هذه القصة ‘’عرّوه’’ طلب منها أخوها أن تدخل إلى البيت عن حرارة الشمس فرفضت، فذهب إلى الفأر ليخيفها لكن الفأر رفض، فذهب إلى القط ليخيف الفأر ليطلب منها الدخول إلى البيت لكن القط رفض، فطلب من الكلب أن يخيف القط ثم من الفيل أن يخيف الكلب، ثم من البعوضة أن تخيف الفيل، ثم من النار أن تخيف البعوض، ثم من النهر أن يخيف النار، ثم من الجمل أن يخيف النهر وأخيرا يوافق الجمل فتنطلق دورة الخوف من الأقوى إلى الأضعف وتدخل ‘’عرّوه’’ البيت، ولكن البطالة لها دورة أصعب من ذلك بكثير، ذلك أن الأمثال وضعت لقوم يخافون أما أصحاب الأعمال اليوم فمعظمهم يخيفون. وعند مناقشة المشروع الوطني للتوظيف في ندوة أقامتها جمعية المحامين وفي أكثر من مناسبة أكد اتحاد النقابات على تأييده لهذا المشروع، لكن تم التنويه إلى أن نجاح المشروع في القضاء على مشكلة البطالة مرتبط ارتباطا وثيقا بالشفافية والإصلاح الاقتصادي وعلى الأخص إعادة صياغة العلاقة بين الشركاء الاجتماعيين (العمال وأصحاب العمل) على قاعدة أن البطالة مشكلة وطنية كبرى، لا مجرد مشكلة توظيف. وأن من مصلحة أصحاب العمل الاستراتيجية أن يكون دورهم ايجابيا في دعم هذا المشروع، لا التعامل معه كمجرد فرصة لجلب مزيد من العمال المهاجرين كما هو حاصل الآن. يقدم بعض أصحاب العمل الآن لوزارة العمل عشرات فرص التوظيف ضمن المشروع الوطني للتوظيف، لكن هناك أحيانا مقايضة ضمنية أو صريحة بإطلاق يد صاحب العمل من جهة أخرى في جلب العمال المهاجرين لوظائف من السهل جدا شغلها بعمالة محلية. وحين ينقل ممثلو النقابات هذه الممارسات لوزارة العمل تجد الوزارة يدها أشبه بالمغلولة بذريعة أن صاحب العمل المعني قدم للوزارة كذا من فرص العمل للمشروع الوطني فكيف تقيد الوزارة يده في توظيف العمال المهاجرين؟كما أن التساهل في معايير توظيف العمال المهاجرين أصبح ثمنا لقبول العاطلين المحليين في مواقع العمل. لقد كان من المعايير المرعية سابقا هو أن لا توظيف لعمال مهاجرين في وظائف يمكن شغلها من العمالة المحلية، ولا تجديد عقود لعمال مهاجرين إذا كان من الممكن الاستغناء عنهم بسبب وجود من يشغل وظائفهم من خلال الترقي أو التوظيف الداخلي. الآن تم التخلي عن ذلك كله، وأصبح شعار المرحلة الحالية لدى أصحاب العمل إدخال بحرينيين جدد إلى سـوق العمل (Newcomers) في وظائف متدنية مقابل الإبقاء على العمال المهاجرين في مواقعهم، وحرمان بدلائهم المتوقعين من العمالة المحلية من فرص الترقي إلى مواقع أعلى. القضية التي لا يتم التركيز عليها هنا هي أن هذه التطبيقات النفعية للمشروع الوطني للتوظيف ترسل رسالة خاطئة تماما مفادها أن ما يصلحه عطار المشروع يفسده دهر النفعية. وبذلك يتم حل مشكلة المتعطلين المحليين خارج سوق العمل مقابل السماح ببيئة طاردة للعمال المحليين من ذوي الخبرة داخل سوق العمل. إنه تماما أشبه بمن يمنح الدواء للمريض باليمين والسم بالشمال. لسنا بالمطلق ضد حق صاحب العمل في توظيف العمال المهاجرين متى ما كان ذلك ضروريا ويلبي حاجة حقيقية في سوق العمل. لكن أن تكون ملفات هذا التوظيف في يد المسؤولين المهاجرين أنفسهم بعيدا عن السياسة المعلنة للشركات الوطنية بالبحرنة والإحلال، وأن تنتقل سلطة التوظيف من يد دوائر الموارد البشرية إلى يد مسؤولي دوائر المصانع في الإنتاج والصيانة يوظفون ما يشاءون كيفما يشاءون وحسبما يشاءون، طبقا لمعايير الجنسية أو القرابة، حيث يوظف المسؤول الهندي الهنود، والبنغالي البنغال، والفلبيني الفلبينيين و.. الخ، فهذا ما لا يمكن تفسيره ولا فهمه، خصوصا في إطار ما يقال عن إصلاح سوق العمل واعتماد معايير الحاجة والكفاءة والخبرة في إدخال عمال مهاجرين جدد إلى سوق العمل. وإذا ما أضيف لكل هذا الخلط والمقايضة الظالمة، ما يحدث في القطاع العام من خصخصة غير مدروسة وغير محسوبة العواقب ضحيتها الأولى هي العمالة الوطنية، وإعادة هيكلة ‘’خصخصة القطاع الخاص أصلا Outsourcing’’ وما تؤدي له من تقليص حجم العمالة وتسريح عدد كبير منها ليكونوا ضحية العوز والتعطل. إذا ما أضيف كل ذلك إلى بعضه، وجدنا أنفسنا بحاجة إلى مشروع توظيف جديد كل سنة، ليس فقط لتوظيف من يدخلون سوق العمل لأول مرة بل أيضا لمن يطردون كل عام من سوق العمل. السؤال إذاً، ليس فقط كيف ننجح المشروع الوطني للتوظيف ولكن كيف نضمن ألا يكون هذا المشروع كمن يضع صيده في شبكة واسعة الفجوات بحيث يدخل السمك من جهة ويخرج من الأخرى، بينما يردد المثل الشعبي المعبر عن حكمة اليأس ‘’إيه.. سالفة عرّوه’’.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق