الاثنين، 8 يونيو 2009

تدخل العلماء بين الحكم والموضوع 8/07/2007

كأنما كتب على هذا البلد أدلجة كل شيء والانزياح به من عتبة النقاش التقني والفني إلى عتبة الإيديولوجي فتحول فجأة قانون التأمين ضد التعطل من بحث بنوده ونقاط ضعفه وقوته وعلاقته بتحسين وضع المستفيدين وعلاقته بالنصوص الدولية في موضوعه، انتقل إلى مسلسل لا ينتهي من النقاش حول الدين والعلمانية وإدارة المجتمع بالفتاوى وليذهب قانون التأمين ضد التعطل إلى الجحيم بكل ما فيه ومن فيه. وأنا أقرأ ما يتردد الآن في المنتديات وعلى لسان فقهاء الدين من جهة و(فقهاء) الجمعيات السياسية من جهة أخرى والذين لا تقل مفرداتهم أصولية ووعظا من ناحية اللغة على الأقل، وأردد بيني وبين نفسي أيها الإخوة ليست هذه رواية المقام، ولكل مقام مقال، فما حدا بكم على أن تنتقلوا من مأزق ال 1 % إلى حديث لا ينتهي عن العلمانية والإسلام، بل إن ذكرى الشهيد المرحوم محمد بو نفور وهو الذي عرف بتعاليه على الجزئيات الصغيرة وتركيزه على رص صفوف الناس باتجاه الهدف الرئيس قد استغلت من قبل بعض الكتاب للمز الفقهاء وإدانة تدخل الدين في الحياة مع أن موضوع هذه الذكرى الأليمة لا علاقة له من قريب ولا من بعيد بإدخال انتقاد رجال الدين فيها ومن يقرأ هذا الإقحام يستغرب كيف تم الزج بموضوع نقد الفتاوى في تأبين الشهيد بو نفور وكأننا أمام المثل الشعبي (نقول له تيس ويقول حلبه). بدأت هذه الضجة المفتعلة بعبارة للدكتور عزيز أبل قالها عابرا ''إنني مؤيد للتأمين ضد التعطل وإن تدخل رجال الدين أربك النواب'' ومن يعرف الرجل يعلم أنه لم يكن يوما من الذين ينتقصون من احترام رجال الدين ولا من احترام هذا التيار الذي يقوده رجال الدين بل هو جزء من شؤون وشجون هذا التيار بغض النظر عن منطلقه النظري، وفهم الشيخ عيسى قاسم أو تم عرض الموضوع له بأن هذه دعوة لإبعاد الدين عن الإفتاء في قضايا الناس، خصوصا أنها جاءت في سياق ما صرح به وزير العمل سابقا من أن ''البلد لا يجب أن تديرها الفتاوى'' وعلينا أن نفهم هنا غضبة الشيخ ؟ وهو دائما عبر عن حساسية عالية تجاه كل ما يحجم دور الدين في الشأن العام ؟ وغضبة مريديه في سياق كل ما قيل قبل د.عزيز أبل الذي نشعر بحسن نيته وأنه إنما كان يستهدف أساسا حماية أو تبرير قرار كتلة الوفاق والنواب عموما بتأييد قانون التأمين ضد التعطل أكثر مما هو رفض دور العلماء في الشأن العام. وما أن عرض الشيخ الأمر في خطبة الجمعة حتى تعالت صيحات الحشود بفداء الإسلام والموت للعلمانية ليتدخل عبد الهادي خلف من منفاه الاختياري رافضا الهجوم على العلمانية ومعتبرا إياه خطأ تاريخيا واستراتيجيا خارج أولويات اللحظة الراهنة وإيذانا بالطلاق بين الوفاقيين والعلمانيين الذين دخلوا الانتخابات النيابية متحالفين وتكر السبحة فينطلق سيل الكتاب المدافعين عن العلمانية والرافضين أي تدخل للفتاوى في الشأن العام ويذهب قانون التأمين ضد التعطل والمناقشات حوله إلى الخلف ليحل محله سؤال هل العلمانية أم الدين هي التي تدير المجتمع؟.ومع أن هذا بالنسبة للرائي لمجتمعنا من خارجه يعكس حيوية بين التيارات والمشارب التي تتحكم في المشهد السياسي إلا أنه يعكس أيضا خلطا بين الأيدلوجي والسياسي ونيات مبيتة ما تلبث أن تكشف عن مكنونها أمام أول امتحان بسيط. كما يعكس هذا أمرا ليس جديدا بل طالما لاحظناه سابقا في ممارسات الناشطين سياسيا حين يكونون في الخارج ويتحدثون من أبراجهم العاجية في المنفى تعويلا فقط على ما ينقله لهم صديق أو يقرأونه في ملتقى البحرين فتأتي ملاحظاتهم خارج السياق فلا تفعل غير أن تزيد الوضع المرتبك أصلا إرباكا وخلطا، ومن ذلك مثلا أنه في ''ندوة سترة'' بمأتم ''العطار'' كان ممثل لجنة العاطلين ينتقد دعوة بعض العلماء لاعتبار إعانة التأمين ضد التعطل صدقة معتبرا إياها إهانة، لكن في الوقت نفسه كان الدكتور سعيد الشهابي متحدثا من لندن يعتبر هذه الإعانة من قبيل أكل السحت والمال الحرام وهي لو دققنا في عبارته إهانة أكبر طبعا في الوقت الذي كان الجميع ينتظر من مداخلته نصرة للعاطلين. ومثل ذلك كان تدخل عبد الهادي خلف معتمدا فقط على موضوع قرأه في ملتقى البحرين عن خطبة الجمعة ليؤسس عليه نظرية بدء الحرب بين العلمانيين والإسلاميين وليرد عليه الشيخ بأنه ؟ أي خلف ؟ يريد إقصاء الدين عن الشأن العام ولينتقل الشيخ إلى تفنيد تهمة العلمانيين بأن الإسلاميين في عام 1973 أيدوا قانون أمن الدولة أو صمتوا عنه، قائلا بل إننا كنا أشد معارضة لهذا القانون من كتلة الشعب التي كان فيها د. خلف، بشهادة الوزير الراحل طارق المؤيد، وهي على أية حال تهمة لم يكن الشيخ بحاجة لنفيها، وقد نفاها شاهد من أهلها بكل وضوح، وهو عضو برلماني آخر من هذه الكتلة هو محمد جابر الصباح في مقال مطول أكد فيه بموضوعية إن مقولة أن الإسلاميين دعموا قانون أمن الدولة هي مقولة غير صحيحة وهي شهادة من قلب البيت العلماني. ما نحتاجه الآن، هو أن نقول كفى لهذا التراشق الذي يأتي بكل اختصار في غير وقته، وندعو للعودة مرة أخرى إلى ''محور حديثنا'' وهو قانون التأمين ضد التعطل، بنوده، تطبيقه، أهدافه ونتائجه، فحين يطبق أو لا يطبق هذا القانون، فإن المستفيد أو المتضرر منه لن يكون المؤمن دون الملحد ولا العلماني دون الإسلامي. ترى كم مرة نحتاج لنؤكد على أن درس الاقتصاد أهم كثيرا من درس الإيديولوجيا، وعلى أن النظر فيما يقسم هذا المجتمع اليوم طبقيا بغض النظر عن الانتماءات الإيديولوجية هو الضابط الذي يأخذ بنا دون تعب ولا نصب من فقه الثانويات إلى فقه الأولويات. ومع أني كنقابي أشعر بأني في الضفة الأخرى عن ضفة أصحاب العمل إلا أني أجل طريقتهم في فهم المصالح والمقاصد وفي توحيد الجهود حيث الاقتصاد وحده لغتهم مع اختلاف منابعهم وحيث يبدون بذلك أكثر تقدمية وعصرية ومستقبلية من انقساماتنا التي لا أساس اقتصادياً لها، فيتقدمون هم في تحقيق ما يريدون فيما نحن مثل برنامج (صادوه) نبحث عن «محور حديثنا».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق