تكاد اتفاقية 87 لمنظمة العمل الدولية بشأن الحريات النقابية وحماية حق التنظيم النقابي للعمال وأصحاب العمل أن تكون بالنسبة إلى العمل النقابي في مقام الصلاة بالنسبة إلى الدين، إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها. وفي هذا العام 2008 تكمل هذه الاتفاقية ستين عاماً من عمرها حيث في دورته الواحدة والثلاثين وبالتحديد في التاسع من يوليو/ تموز ,1948 واستناداً إلى إعلان فيلاديفيا في اعتباره حرية التعبير والتنظيم أموراً أساسية للتنمية الدائمة والتقدم الإنساني اعتمد مؤتمر العمل الدولي هذه الاتفاقية لتصبح واحدة من أهم إن لم تكن أهم اتفاقات منظمة العمل الدولية، وكان مؤتمر العمل الدولي قد وضع قبل عام من ذلك المبادئ الأساسية التي تتضمنها هذه الاتفاقية.كان العالم آنذاك قد ودع حرباً كونية طاحنة منذ أربع سنوات فقط كانت ومازالت هي الحرب الأعظم في التاريخ وقضت على زهاء سبعين مليون إنسان وأحدثت خراباً مازالت آثاره إلى اليوم، وكان من نتائجها أنها جعلت قضايا الديمقراطية وحرية التعبير قضايا رئيسة وتمثل جوهر موضوعات العصر آنذاك، وحيث مثلت حرية التنظيم والتعبير أهم عناصر الديمقراطية. ويُلاحظ أن اتفاقية 87 سبقت بخمسة أشهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه. كان العالم المتقدم يومها قسمين رئيسين؛ أحدهما يدعي أنه نظام تقوده وتحكم به الطبقة العاملة عبر حزب البروليتاريا، وبالتالي فإن الطبقة العاملة لا حاجة بها إلى تنظيمات نقابية مستقلة عن الدولة والحزب طالما كانت الدولة هي نفسها دولة هذه الطبقة والحزب القائد هو حزبها، أما أصحاب العمل فلا حاجة لوجودهم أصلاً ناهيك عن تنظيمهم في دولة البروليتاريا.القسم الآخر هم القسم الرأسمالي الذي ألقى بالعامل في أتون الصراع الطبقي الحاد، وقال له تستطيع مثل صاحب العمل الدفاع عن حقك عبر التنظيم النقابي، وهذا كافٍ لك من دون أن تحلم بدولة الطبقة العاملة. ولكن بالطبع فإن التنظيم كان أساساً مشكلة العمال أكثر منها مشكلة أصحاب العمل. ومن يقرأ تاريخ شكاوى إهدار حرية وحق التنظيم فلن يجد كثيراً منها لأصحاب العمل، بل للعمال.كان هذا المجتمع الرأسمالي قد قطع شوطاً في تحسين شروط العمل وظروفه عبر النقابات، بعد أن استقر في فلسفة هذا المجتمع ولدى جميع قواه بما فيها القوى اليسارية أن قذف الرأسمالية في البحر مجرد أضغاث أحلام، وأن ما بوسع العمال فعله هو فقط تلطيف الوجه الحديدي للرأسمالية مع الزمن عن طريق العمل النقابي والمدني.هكذا بدا العالم غداة صدور هذه الاتفاقية. وحتى اليوم يخطئ كثير منا في رقم أو مضمون أو تاريخ عدد من الاتفاقات إلا هذه الاتفاقية 87 وشقيقتها رقم 98 واللتين أصبحتا بمثابة إنجيل الحركة النقابية في العالم.وحتى الآن فإن هذه الاتفاقية حظيت بتصديق 148 دولة عضو في منظمة العمل الدولية من بينها عشر دولة عربية هي مصر، سورية، الجزائر، تونس، ليبيا، الكويت، سوريا، اليمن، جيبوتي، وإريتريا.وتنقسم هذه الاتفاقية إلى أربعة أجزاء هي: الجزء الأول «الحريات النقابية» ويتضمن المواد العشر الأولى، وتنص هذه المواد على تمتع كل من العمال وأصحاب العمل بحق تكوين أو الانضمام إلى منظمات يختارونها من دون ترخيص مسبق إلا التقيد بلوائح هذه المنظمات وأنظمتها الأساسية مع حق هذه المنظمات في وضع دساتيرها ولوائحها باستقلالية تامة وامتناع السلطات الإدارية عن أي تدخل في شؤون هذه المنظمات وعدم حق هذه السلطات في حل هذه المنظمات أو وقف نشاطها.كما تتضمن مواد الجزء الأول حق هذه المنظمات في الانضمام إلى منظمات أكبر فيما بينها مثل تأسيس الاتحادات القومية أو القطاعية وكذلك في الانضمام إلى المنظمات الإقليمية والدولية وعدم خضوع اكتساب هذه المنظمات لشخصيتها الاعتبارية لأي قيد من أي نوع. ومع أن الجزء الأول نص على حق الدولة في وضع لوائح تنظم انطباق أو عدم انطباق هذه الاتفاقية على أفراد القوات المسلحة وأفراد الأمن والشرطة، إلا أن الاتفاقية نصت على عدم جواز اتخاذ إجراءات تغير من حق هذه الوظائف في حرية التنظيم إذا كان مثل هذا الحق موجوداً قبل التصديق على الاتفاقية.وفي تعريف ماهية المنظمة في الاتفاقية نصت مواد الجزء الأول على أنها أية منظمة ينشئها أصحاب العمل أو العمال للدفاع عن مصالحهم.ومع أن الاتفاقية نصت في هذا الجزء أيضاً على احترام هذه المنظمات لقوانين البلاد التي توجد بها شأنها شأن أي فرد أو جماعة منظمة، إلا أنها نصت أيضاً على أن هذه القوانين لا يجوز أن يوجد فيها مساس بالضمانات التي تكفلها هذا الاتفاقية ولا تطبق بطريقة تمثل مساساً بهذه الضمانات.هذا عن الجزء الأول، أما الجزء الثاني (حماية حق التنظيم) فيتكون من مادة واحدة فقط هي المادة الحادية عشرة، وتنص على أن على الدول المصدقة اتخاذ كل التدابير المناسبة لضمان وحماية حرية التنظيم النقابي.الجزءان الأخيران الثالث والرابع من المادة الثانية عشرة إلى المادة الواحدة والعشرين (أحكام متنوعة وأحكام ختامية) هما جزءان لازمان في كل اتفاقات منظمة العمل الدولية ويمكن القول إنهما معنيان بالشكل لا بموضوع الاتفاقية، وهما يتعلقان بإجراءات التصديق المتبعة في المنظمة وكيفية طلب استثناء الدولة العضو في الاتفاقية من بعض الأحكام وانطباق الاتفاقية على الأقاليم التابعة للدولة العضو وتساوي حجية النص الفرنسي والإنجليزي للاتفاقية.وعلى خلفية ستينية هذه الاتفاقية وإذا ما تأملنا واقعنا العربي والخليجي عبر البحرين نموذجاً، لوجدنا أنه ورغم عدم التصديق على هذه الاتفاقية فإن التنظيم النقابي العمالي أصبح أمراً واقعاً فرضته ظروف وأسباب تاريخية عدة لعل أهمها أن الحركة النقابية ومنذ ولادتها الجنينية في ثلاثينات القرن الماضي وحتى اليوم ارتبطت دائماً بالنضال السياسي والاجتماعي للحركة الوطنية، وأن التنظيمات النقابية قامت فعلياً قبل تشريعها رسمياً.هذا وإن كان لا يعني بالطبع أننا في غنى عن التصديق على الاتفاقية، إلا أنه يمثل وضعاً متقدماً على حركة أصحاب العمل. ففي الوقت الذي تتجه الحركة النقابية العمالية إلى استحداث الشكل القطاعي النقابي في دورتها المقبلة لا نجد لدى أصحاب العمل تنظيمات مؤسسة ومنتظمة على مستوى القطاع أو على المستوى القومي.وهذا ما يجعل من الحديث عن شراكة اجتماعية حقيقية أمراً يفتقر إلى الدقة، إذ ليس لدى أصحاب العمل تنظيمات كلية وفرعية كما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة، حيث لكل هيكل نقابي ما يوازيه ويماثله على مستوى أصحاب العمل، ما يجعل من مستويات المفاوضة الجماعية متعددة على مستوى المنشأة والقطاع والصناعة والمستوى القومي العام.وبهذا يبدو أن أصحاب العمل حتى اليوم أقل خبرة تنظيمياً، وأن تنظيمهم وتأطيرهم في منظمات نقابية صناعية وتجارية هو أيضاً مهمة عمالية إذا صح التعبير، لا بمعنى أن العمال هم الذين ينفذونها بل بمعنى أن العمال من مصلحتهم العمل على إدخالها وتنفيذها في سوق العمل والتفاهم مع أصحاب العمل بشأنها.وإذاً، فمع الذكرى الستين لهذه الاتفاقية ربما آن الأوان لأن يفكر طرفا أصحاب العمل والعمال في كيفية بناء هياكلهم التنظيمية بشكل متوازٍ يخدم علاقتهما معاً، بحيث حتى مع عدم التصديق على هذه الاتفاقية يكون هناك واقع مهيأ لتبنيها وتطبيق أحكامها.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق