الثلاثاء، 9 يونيو 2009

27 يونيو يوما وطنيا للدفاع عن حق العمل 22/06/2008

في جمعته الأخيرة بعيد المسيرة الألفية المنددة بالطائفية، نبه سماحة الشيخ عيسى قاسم بمناقبية عالية إلى أهمية التعالي على الجراح وسرعة وقف كل ما يتعلق بالأسباب التي دعت للمسيرة، تعويلا على أن الرسالة قد وصلت لمن يهمه الأمر وليس ثمة ما يدعو للمزيد من سكب الوقود على النار، بل يجب إخمادها ولم الصف باتجاه القضايا الأهم ولكي لا يقال - كما نوه سماحته - بأن الباعث الشخصي للدفاع عن هذه الشخصية أو تلك هو المحرك وراء هذا التجمع الشعبي المنعدم النظير. بليغة هذه الرسالة من سماحة الشيخ وهو دائما عودنا على نكران ذاته وغض النظر عن حق شخصه، مصداقا لقول علي ابن أبي طالب: ''لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة'' وكم نحن بحاجة لهذا النكران للذات، خصوصا وثمة في البلاد استحقاقات برسم المواجهة أهمها على الإطلاق في هذه اللحظة العصيبة هذا العدوان على حق العمل ولقمة العيش، الذي لا يفرق بين سني أو شيعي أو غير متدين أصلا، حيث تبشر ''النيوليبرالية'' بانتهاء دور الدولة في التدخل الاقتصادي تاركة لقانون Hire and Fire ليأخذ مجراه في سوق العمل. إن كل حرف يقوم به البعض قصدا أو غفلة أو بهدف الاستفزاز المجاني لأغراض دعائية بما يؤدي لحرف بوصلة الرأي العام باتجاه قضايا هي هامشية مقارنة بقضية الحرب المعلنة على حق العمل هو ليس خطأ فقط، بل خطيئة في وقت تسن فيه الشركات الكبرى قبل الصغرى أسنانها للتخلص من العمال تحت ذريعة التدوير أو إعادة الهيكلة أو تقليص الوظائف أو غير ذلك من الذرائع التي لها عنوان واحد فقط وهو ''أن الأمن الوظيفيJob Security الذي كان - كما يُزعم - ميزة هذه الشركات والتي كانت حلم الباحثين عن عمل، هذا الأمن الوظيفي المثالي لم يعد موجودا. لقد قيل الكثير مع أو ضد مسيرة الجمعة الماضية، خصوصا لجهة خطورة ما سيأتي بعدها من استقطاب مجتمعي حاد، لكن إذا كانت نيتنا صادقة فعلا في ألا نذكي هذا الاستقطاب وأن نطفئ بؤر التوتر المجتمعي والمناطقي والعقائدي فلا بديل لنا اليوم عن إذكاء استقطاب آخر بين من يملكون ولا يعملون ومن يعملون ولا يملكون. بين من يعتبرون العمل سلعة يمكن مقايضتها بالربحية حتى لو كان تأثر هذه الربحية هامشيا وبين من يحرمون من حق العمل ويدافعون عن قوت عيالهم ولقمة أطفالهم وكرامتهم لا لشيء إلا لأن صاحب القرار قرر مقايضة حياتهم بهامش الربحية في منحنى تقريره الحسابي السنوي. ليس حق العمل حقا من الترف الإنساني الذي قد يُتهم به أحيانا الحق المدني أو السياسي من بعض المتحاملين على هذا النوع من الحقوق. حق العمل من أكثر الحقوق قِدما وأصالة وارتباطا بجوهر الإنسان ككائن حتى قبل أن تكون له هوية عقائدية أو عرقية. منذ وجد الإنسان على الأرض وقد علم أن عليه أن يعمل لكي يعيش، قبل أن تجعل الرأسمالية من قوة عمله مصدرا لأرباحها، وسلعة في سوق المزايدة بحسب الفارق بين كلفة الإنتاج وسعر البيع. لهذا سبق ما يعرف بـ ''العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية'' شقيقه المسمى ''العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية'' حيث دخل الأول حيز التنفيذ قبل الثاني لأهمية هذا الحق وللإجماع العالمي حوله. لا نحتاج نحن للكثير من الشواهد على عدالة هذا الحق وبساطته وعلى إجماع الناس مسيسين أو غير مسيسين على رفض مصادرة حق العمل. وحتى في اللحظات المرة التي مرت بها البحرين قبل مرحلة الإنفراج الأمني والإصلاح التشريعي في ظل قانون أمن الدولة الجائر كان الأمن الوظيفي لا خوف عليه، خصوصا في ظل شركات يعتبرها الجميع قطاعا حكوميا بل ربما أفضل من القطاع الحكومي. كما أجمعت البحرين مؤخرا بكل تلاوينها وانتماءاتها على رفض اعتداء شركة بتلكو الصارخ على حق العمل ومحاربة ما لا يقل عن 3 % من قوة العمل في الشركة في أرزاقهم بحجة عدم وجود وظائف متحدية كل هذا الإجماع الوطني حكوميا وشعبيا. لئن كنا صادقين فعلا في إرادتنا بقبر كل ما أثارته زوابع النافخين في رماد الفرقة والتناحر الموقدين لأوار الفتنة غير عابئين بنتائج ما يعملون وهم للأمانة والحق موجودون لدى كل الجماعات والطوائف يجمعهم تعصبهم وتشددهم الأجوف حتى لو بدوا لنا للوهلة الأولى مختلفين في مظاهرهم إلا أنهم متشابهون أكثر مما نتصور في عمق الطريقة التي يواجهون بها مسألة الاختلاف المذهبي والعقائدي. فلئن كنا صادقين في مواجهتهم، فلا سبيل أفضل من اصطفاف الناس في معركة الدفاع عن حق العمل، الذي ضمنه دستور المملكة في مادته الثالثة عشر، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الثالثة والعشرين، والعهد الدولي الاقتصادي الاجتماعي الذي صادقت عليه مملكة البحرين عام 2006م خصوصا في المواد السادسة والسابعة والثامنة المعنية بحق العمل. يعتزم الاتحاد العام تنظيم مسيرة الدفاع عن حق العمل مساء الجمعة السابع والعشرين من يونيو منطلقا من شرق العاصمة إلى قلبها وهي مناسبة لاصطفاف من نوع آخر، اصطفاف طبقي أو اجتماعي الطابع، يقول فيه ناس البحرين الكلمة التي قالها مهمشو العالم الجديد ضد الليبرالية المتوحشة في سياتل ودافوس وغيرها حيث التقت قوى المال الدولي لتقرر المصير الاقتصادي لشعوب العالم وعلى الأخص عمالها. بوسعنا نحن أيضا أن نقول كلمتنا، دفاعا عن حق العمل الذي لا علاقة له بأي انتماء من أي نوع، سنكون بذلك قد أصبنا عددا من الأهداف بحجر، فبقدر ما نكون دافعنا عن حقنا في العمل ودافعنا عن استمرار دولة الرعاية والتدخل الاقتصادي المبني على الشراكة الثلاثية ضد دولة ''دعه يعمل دعه يمر''، ورفضنا الخصخصة على حساب حق العمل، سنكون بالقدر نفسه سياسيا قد حيدنا الاستقطاب الطائفي لصالح الاستقطاب الاجتماعي. ودون هذا الاصطفاف الخليق بدولة القرن الواحد والعشرين المستبعدة لصالح الرأسمال والتي تقايض التنمية البشرية بالنمو المالي، وتقايض الانفتاح وإنهاء الاحتكار بحق العمل، وتقايض الحد الأدنى من الحريات العامة بـ ''حق الرفاه الاقتصادي''، دون هذا الاصطفاف سيكون حديثنا عن مواجهة الطائفية لا يتعدى التفكير الأمنياتي Wishful Thinking الذي ننام على أوهامه لنستقيظ ذات يوم فنجد أن الوحيدين الذين لم يكونوا ''طائفيين'' يوما ما، هم أنصار ما تسمى ''النيوليبرالية'' الاقتصادية الذين قضموا ما تبقى من مكاسبنا الاجتماعية وعلى رأسها الاستقرار المهني ومجانية الخدمات الرئيسية! فيما نحن مشغولون بحماية خنادقنا الطائفية غارقين إلى الرُكب في وحولها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق