في مفاهيم منظمة العمل الدولية يعني مصطلح ''المعايير'' standards مفهوما أوسع من الاتفاقات والتوصيات التي تأتي تحت مصطلح ''الأدوات'' instruments، وفي الحقيقة فإن المعايير تمثل إطارا يضم الاتفاقات والتوصيات، بحيث يضم كل معيار عددا من الاتفاقات والتوصيات. وتتمتع المعايير بسبب عموميتها وانطباقها تقريبا على كل زمان ومكان بنسبة أكبر من الثبات والإطلاق الذي يأتي لكونها ببساطة هي معايير حقوق الإنسان، بينما تواصل الاتفاقات والتوصيات التغير والتبدل والحذف والإضافة كونها أكثر تفصيلا وتعيينا لواقع عمل معين في زمن معين، وهذا ما يفسر حتى نهاية العام 2006 وجود عدد 187 اتفاقية ملزمة للدول المصدقة و198 توصية غير ملزمة بل توجيهية للدول الأعضاء في المنظمة، ومازال المزيد من الاتفاقات والتوصيات على بنود جدول أعمال منظمة العمل الدولية في مقبل الأعوام، بينما المعايير عددها فقط 20 معيارا تقريبا من أهمها: حرية العمل ومكافحة العمل القسري، المساواة ومكافحة التمييز، السلامة والصحة المهنية في العمل، الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، سياسة التشغيل وتوفير العمل اللائق، حماية حقوق العمال المهاجرين، حق العمل للمعوقين، الحوار الاجتماعي والثلاثية، الحد الأدنى للسن في العمل و مكافحة عمالة الأطفال، الإرشاد المهني والتدريب، سياسة الأجور، حماية الأمومة، ساعات العمل، التفتيش العمالي. وتحت كل من هذه المعايير يأتي عدد من الاتفاقات التي تلبي تطبيق هذا المعيار في واقع سوق العمل. وقد صنف إعلان المبادئ للحقوق الأساسية في العمل الصادر عن منظمة العمل الدولية العام 1998 ثمان اتفاقات تمثل أربعة معايير بمعدل اتفاقيتين لكل معيار، وهي (الحريات النقابية والمفاوضة الجماعية - الاتفاقيتين 87 و98)، (منع العمل القسري - الاتفاقيتين 29 و105)، ( منع عمالة الأطفال - الاتفاقيتين 138 و182)، (المساواة وعدم التمييز - الاتفاقيتين 100 و111) بوصفها تمثل الاتفاقات الأساسية للعمل FUNDAMENTAL CONVENTIONS والتي يعتبر التصديق عليها حدا أدنى لالتزام الدول الأعضاء بالمعايير الدولية للعمل وبمبادئ وأهداف منظمة العمل الدولية، وعلى الدول المصدقة عليها تقديم تقارير دورية عن تطبيقها كل عامين، وجاءت فكرة هذا الإعلان لكي تجعل من التركيز على هذه الاتفاقات قبل سواها على أجندة مؤتمر العمل الدولي كل عام، بحيث تصبح الدول غير المصدقة على هذه الاتفاقات الثمان في بؤرة النظر الدولي وهي فكرة أثبتت جدواها حيث منذ صدور هذا الاعلان وبدء صدور كتاب المراجعة السنوي لتطبيق هذا الاعلان تسارعت عملية التصديق على الاتفاقات الأساسية للعمل. وفي مرتبة أدنى من هذه الاتفاقات الأساسية للعمل تأتي الاتفاقات الأولوية للعمل PRIORITY CONVENTIONS (التشاور الثلاثي - الاتفاقية 144) ، (تفتيش العمل - الاتفاقية 81) ، (سياسة التشغيل - الاتفاقية 122) وعلى الدول المصدقة رفع تقارير دورية عن تطبيق هذه الاتفاقات كل خمس سنوات. وبالطبع هناك مناقشات كثيرة بشأن ما إذا كانت الاتفاقات الأساسية أو الأولوية على أقل تقدير كان يجب أن تتضمن اتفاقات الصحة والسلامة المهنية كونها ذات علاقة بحياة الإنسان، واتفاقات التأمينات والضمان الاجتماعي كونها تتعلق بحماية مستقبل العامل بعد انتهاء عقد عمله، أو اتفاقات حماية الأمومة كونها تتعلق بحماية الأم والجنين. ويلاحظ أنه فيما عدا حماية الأمومة التي هي ذات علاقة بالمفهوم البيولوجي للمرأة، فإن المرأة العاملة ليس لها معايير خاصة بها تحديدا إذا تأتي الاتفاقات التي تخص المرأة العاملة في إطار معايير عامة فمثلا اتفاقات عدم التمييز تأتي تحت معيار المساواة في العمل والمهنة بين جميع العاملين بغض النظر عن الجنس واللون والأصل والعرق والمعتقد، ومثلا اتفاقية عمل المرأة ليلا تأتي تحت معيار ساعات العمل، وهكذا لا تعامل معايير العمل الدولية المرأة العاملة كجنس خاص له حقوق ليس للجنس الآخر بل تعاملها كجندر له وظيفة اجتماعية تحددها الظروف الاجتماعية وبالتالي له حقوق وواجبات تترتب على هذا التصنيف، وهذا هو الفرق بين الجنس والجندر. وقد صادقت مملكة البحرين على ثمان اتفاقات لمنظمة العمل الدولية منها أربع أساسية هي (105 ,29 بشأن منع العمل الجبري)، (111 بشأن المساواة في الاستخدام والمهنة)، (182 بشأن منع أسوأ أشكال عمل الأطفال). وفيما يعنينا بهذا المقال من حقوق المرأة العاملة ومكافحة التمييز على أساس الجنس نشير إلى أن التصديق على (الاتفاقية 111) لا يغني عن التصديق على (الاتفاقية 100) والتي هي أيضا من الاتفاقات الأساسية، لكن الأولى تتعامل مع التمييز عموما بينما تختص الأخيرة بالمرأة العاملة، وتحديدا بالمساواة في الأجور بين العمال الذكور والإناث واستبعاد كل تمييز في الأجر على أساس الجنس، ونعتقد أن على المرأة العاملة في الاتحاد العام وفي منظمات المرأة في المجتمع المدني أن تتبنى التصديق عليها كاستراتيجية، إضافة إلى (الاتفاقية 183) بشأن حماية الأمومة والتي وإن لم تكن أساسية إلا أنها الحوادث في مجالها مما يجعلها تمثل بنية تشريعية جيدة لإجازة الأمومة للمرأة العاملة. إن سوق العمل اليوم عموما وخصوصا كنتيجة للمشروع الوطني للتوظيف يشهد تحولا ملحوظا باتجاه ظاهرة تأنيث العمل وهو ما يعني انخراط المزيد من النساء في العمل، أو في التسجيل كباحثات عن العمل، وعلى الحركة النقابية من جهة والحركة النسوية من جهة أخرى أن لا تغفل عن هذه التحولات التي تحتاج لوضع منطلقات جديدة حيث لم تعد المرأة عنصرا مكملا فقط بل عنصرا رئيسا في عالم العمل اليوم وهي بالمناسبة ظاهرة عالمية. إن هذا سيستدعي العمل على جبهتين أولاهما وأهمهما توعية المرأة الداخلة إلى سوق العمل بحقوقها وواجباتها وثانيهما المطالبة بالتصديق على الأدوات الدولية وتعديل التشريعات المحلية بما يتناسب وهذه التشريعات. وفي الحقيقة فإن قانونا العمل البحريني الحالي والذي تحت التشريع (المعدل) نصا على عدم التمييز في الأجر على أساس الجنس، ولكن وفق الاتفاقات الدولية فإن التشريعات لا تكفي ما لم تكن هناك آلية متابعة تتحقق من عدم التمييز في سوق العمل ومن تساوي الأجر للعمل ذي القيمة المتساوية وهي بالطبع لن تكون مهمة الدولة وحدها بل مهمة النقابات والمجتمع المدني بكل تأكيد.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق