الاثنين، 8 يونيو 2009

معالجة فضحية سيمنز "العقبى لنا" 24/12/2006

فضيحة الرشاوى والاختلاسات التي ضربت شركة سيمنز الألمانية للهواتف والهندسة الإليكترونية، والتي قدرت مبدئيا بـ 200 مليون يورو (100 مليون دينار بحريني تقريبا) تم ضخها في حسابات مديرين وتنفيذيين خارج ألمانيا، ليتم استخدامها كهبات وعطايا لرشوة المسؤولون في الدول التي تتفاوض معها سيمنز من أجل إبرام عقود أنظمة اتصالات أو بنى تحتية لهذه الأنظمة أو لتشغيل شبكات الهواتف النقالة. هذه الفضيحة التي اختتم بها العام ,2006 والتي أعاقت مساع لدمج سيمنز مع (نوكيا) الفنلندية في واحدة من أكبر شركات الاتصالات في العالم، والتي أيضا تهدد سمعة ألمانيا نفسها بعد فضيحة شركة سيارات (فولكس فاغن)، ترينا كيف أنه حتى في الدول الديمقراطية العريقة لا مناص من الفساد مع وجود أنظمة لمكافحته ووجود رقابة مالية وإدارية ووجود سلطة تشريعية ضاربة في التاريخ عمرا وخبرة ومهارة، بل ووجود دائرة للتدقيق الداخلي Internal Audit في الشركة من مهامها مكافحة الفساد، متورطة هي أيضا في الفضيحة. ويصبح السؤال الماثل أمام دولنا فكيف بنا ونحن في دول لا تملك فيها السلطات التشريعية القوة الرقابية الكافية، ولا تملك الهيئات الرقابية (مثل ديوان الرقابة) أكثر من سلطة النصيحة ولوم (السيستم) بدلا من لوم الأفراد، و الدعوة دائما إلى الهرب إلى الأمام وتصحيح المستقبل بدلا من محاسبة الماضي. بالطبع الفساد هو الأصل في الإنسان، ودعك ممن يعول كثيرا على أصالة النزاهة وفطريتها، فالثابت دائما هو العكس، والمتنبي شاعر العربية الأكبر يقول ‘’والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ / ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ’’. لذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وحيث بعدت الشقة بيننا وبين عصر الأنبياء بانقطاع الوحي والنبوات عن كرتنا الأرضية، لا مناص إذن من الأنظمة واللوائح والقوانين التي بها يقاس أداء الأفراد والمؤسسات طبقا للتطابق مع المعايير Conformity محاسبيا وإداريا، ولم يجد البشر حتى الآن طريقة أفضل من هذه الطريقة تتمتع بالدقة المعيارية والموضوعية وبعدم استهداف الأشخاص لشخوصهم، بل استهدافهم بمقدار انحرافهم Deviation عن الأنظمة المعيارية. على أن هذه الأنظمة تفترض بداهة فيمن يطبقها العلم بها أولا، وتكون محاسبته بقدر ما يعلم من هذه الأنظمة ومقاييسها، فلا محاسبة بلا مسؤولية ولا مسؤولية بلا معلومات. ومن هنا فإن المحققين في فضيحة سيمنز وفي فضائح مماثلة في الدول العريقة ديمقراطيا يستهدفون دائما وأولا إثبات الصلة بين العلم بالمخالفات وبين المسؤولية عنها، ولهذا امتدت الاعتقالات إلى دائرة المعايير في الشركة والتي هي مسؤولة عن إبلاغ المسؤولين فيها بانحراف الممارسات عن المعايير، كما طالت الاعتقالات الرئيس التنفيذي السابق للشركة والذي ترك الشركة في سبتمبر/ايلول الماضي (ثوماس غانسويندت)، تحت تهمة علمه بما كان يجري من رشاوى واختلاسات. درس آخر تعلمنا إياه فضيحة سيمنز أيضا وهو أن تحقيق مصلحة الشركة وأرباحها بل وحتى مصلحة الدولة ليس مبررا لقبول الفساد فيها، فنحن في هذه القضية لسنا أمام مسؤولين يعملون فقط لتنمية جيوبهم بل أيضا لزيادة تعاقدات الشركة مع العالم وفتح الأسواق العالمية أمامها مثل رشوة اللجنة الأولمبية اليونانية للحصول على حق تشغيل نظام الاتصالات في أولمبياد أثينا الماضي ,2004 فكيف بمن يستهدف من فساده وسرقته لا تنمية موارد بلاده أو شركات الصناعة في بلاده أو تقوية مركز سلع بلاده في سوق المنافسة، بل يستهدف إفقار بلاده ومؤسساتها الحكومية وزيادة أعبائها لحساب جيبه الخاص، وهي الحالة النمطية للفساد في دولنا العربية. تعاملت شركة سيمنز بأقصى سرعة وفعالية مع الفضيحة ولم تحاول طمس رأسها في رمال التغاضي والتبرير كما تفعل أجهزتنا عادة، فقامت سيمنز بالتعاقد مع واحدة من أكبر شركات المحاسبة للقيام بالتدقيق الخارجي، بل وخطت خطوة بتعيين أحد مؤسسي منظمة الشفافية العالمية (ميشيل هيرشمان) مستشارا للتطابق مع معايير النظام المحاسبي النموذجي ومعايير الشفافية والنزاهة. أما الدرس الأمني اللافت فهو أن البوليس له مهمة أخرى في النظم الديمقراطية، غير تصيد أخطاء المعارضين وتقديم التقارير عن الأحزاب والطوائف والأفراد أو التغلغل في المسيرات والتجمعات، تلكم المهمة هي مكافحة الفساد. وهي مهمة تقتضي أن يكون رجال البوليس من نخبة المجتمع المدربة والقادرة تقنيا وعلميا على رصد الأنظمة المالية الموازية الخفية مثل التي اكتشفها البوليس الألماني في سيمنز لتمرير الأموال بعيدا عن النظام المالي الرسمي العلني للشركة. مع بوليس كهذا تكون مهمة التوظيف في قطاع الشرطة ليس زيادة توظيف أفراد من هذه الطائفة أو تلك، وليس اعتبار قطاع الشرطة مشغلا لحل مشكلة العاطلين المتسربين من الدراسة من الشيعة، أو تكديس المتسربين من الدراسة ومتدني المعدلات من السنة أو الأميين من المجنسين، بحيث أصبحت الشرطة مهنة من لا مهنة له. على العكس من ذلك، لو أعدنا تعريف مهمات رجل الشرطة في ظل نظام ديمقراطي يقوم على الشفافية ومكافحة الفساد، لكان يجب أن يدخل سلك الشرطة حملة ليسانس الحقوق وحملة البكالوريوس والماجستير في المحاسبة والتقنيات بدرجة التفوق، وكان يجب أن تكون لدينا شرطة مالية وشرطة تكنولوجية وعديد التخصصات التي تنقل الأمن من كونه هاجس الحكم في المجتمع الشمولي إلى هاجس الناس في المجتمع الديمقراطي. هذه دروس وخواطر فضيحة سيمنز والتي تتزامن مع صدور ديوان الرقابة المالية لدينا، والذي على ما فيه من استحياء ومداراة يكشف الكثير مما هو بحاجة لأن يطال التحقيق فيه رؤوسا حان قطافها بعد أن أينعت طويلا في بساتين الفساد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق