الثلاثاء، 9 يونيو 2009

التدريب بوصفه حقا من حقوق الإنسان 28/10/2007

في يومي 24 ,23 من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري نظمت جمعية معاهد التدريب الخاصة بالتعاون مع صندوق العمل ملتقى حول التدريب وأهميته في عالم العمل اليوم، وكان لكاتب السطور المشاركة فيه ممثلا لاتحاد نقابات العمال.وهي مناسبة لأن نقارب التدريب في مفهومه المعاصر الذي تجاوز مجرد كونه استراتيجية أو سياسة أو فرصة أو منحة أو مجرد شكل آخر من أشكال التربية والتعليم ليصل إلى مستوى الحق، الذي هو جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان.هو حق؛ لأنه مقدمة لنيل الحقوق الأخرى، وكما يقول الفقهاء مقدمة الواجب واجب. فلا نكاد نجد اليوم أي حق من حقوق الإنسان لا يمر تحصيله بالتدريب. إن اللقمة الشريفة والعيش الكريم والعمل اللائق والدخل الكافي والصحة البدنية والعقلية والسكن الصحي الملائم والمستوى المقبول من المعيشة والرفاهية والحصول على التعليم الجيد للفرد والأسرة وحق الحرية في الرأي والمعتقد والتعبير والحق في الاتصال وغير ذلك من ضرورات الحياة الإنسانية والتي ترجمتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كل ذلك رهن بالتدريب واكتساب المعرفة.لقد عرفت البشرية صورا كثيرة وفظيعة من صور الاحتكار للثروة والسلطة والمكان، ولكن من بين كل الاحتكارات فإن أخطر ما عرفته البشرية هو احتكار المعرفة Monopoly of Knowledge ولا نكاد نرى مأساة تاريخية لأمة أو بلد ما إلا وكان احتكار المعرفة في القلب من أسبابها، كما لا نكاد نجد تجربة تقدمية لأمة أو بلد ما انتقلت فيها من هامش التاريخ إلى قلبه ومن غياب التأثير فيه إلى التحكم في مجرياته إلا وكان للتدريب ونقل المعرفة وتحريرها من الاحتكار الدور البارز فيها.ومن يتخيل اليابان مثلا قبل الحرب العالمية الثانية كأمة تعيش تأليه البشر وصنوف الفقر والاستغلال ثم انتقالها في أقل من نصف قرن إلى أمة تمثل الرقم الصعب في اقتصاد العالم لن يجد غير نقل المعرفة وتداولها وتكديس الرأسمال البشري من أسباب تجعل هذا البلد المعدوم الموارد الأولية تقريبا واحدا من أهم البلدان المتقدمة اليوم.ومن يتذكر كيف بدأت البحرين بعض صناعاتها باستيراد العمالة من كوريا الجنوبية التي كانت يوما ما بلدا مصدرا للعمالة ثم تحولت اليوم إلى واحدة من الدول المستوردة للعمالة الآسيوية بعد أن نما الرأسمال البشري لديها بدرجة أصبح يشغل فقط الأعمال ذات القيمة المضافة، فيما تترك الأعمال الأدنى للعمالة المهاجرة، ومن يقارن مستوى العمالة الهندية بأجورها المرتفعة وتحكم حكومتها في سوق العمل لدى الدول المستوردة وفرض شروط عليها، مقارنة بالعمالة البنجالية والنيبالية الأقل حظا، فلن يجد وراء ذلك غير التنمية التي اشتغلت على الإنسان عبر التدريب وصولا إلى خلق واقع تصبح فيه العمالة الوطنية في أية دولة من الدول أقل رغبة في الهجرة أو أعلى قيمة عند الهجرة إلى بلد آخر في سبيل العمل.بهذا المنظور يصبح التدريب ليس مجرد ترف، بل طريق لا غنى عنه للناس اليوم لينتقلوا دولا وأفرادا وطبقات من تحت خط الفقر إلى المستوى اللائق من العيش، وبهذا يصبح التدريب حقا، حيث هو مقدمة لنيل حقوق الإنسان.وفي مقدمته للتوصية رقم 159 لمنظمة العمل الدولية بشأن تطوير الموارد البشرية والتي تبناها مؤتمر العمل الدولي في دورته لعام 2004 يشير خوان سومافيا مدير عام المنظمة إلى حيوية قضية التدريب في عالم اليوم. ويرى المدير العام أن التفاوت بين الدول التي استفادت من العولمة والدول التي لم تستفد أو خسرت من تداعيات العولمة يمكن تلخيصه في التفاوت في تنمية الموارد البشرية عبر التدريب ونقل المعرفة. وتؤكد هذه التوصية التي تتبنى التدريب والتطوير لأول مرة كموضوع مستقل في إحدى أدوات المنظمة، حيث كان في السابق يأتي مدرجا ضمن سياق موضوعات أخرى، تؤكد على أن مكافحة الفقر لا يمكن تحقيقها دون التدريب وتطوير الموارد البشرية.وحين نتذكر تاريخ عمال البحرين لا يمكن إلا نشير باعتزاز إلى الوعي المبكر للطبقة العاملة بهذا الأمر، ففي أول إضراب حقيقي شهده مصنع تكرير النفط كان من أبرز مطالب العمال البسطاء آنذاك هو تدريبهم ليحلوا محل العمال الهنود والأجانب في تسجيل قراءات المصنع من أجهزة القياس، وهي ما كانت تسمى وظيفة Gauger أي مسجل أجهزة القياس والتي كانت حكرا على العمال الأجانب.إن إصلاح سوق العمل وإصلاح الاقتصاد اليوم لا بد أن يمر عبر التدريب وإصلاح التدريب وتحويله من مجرد ''برستيج'' أو ترف أو فرصة للسفر والإجازة من العمل أو مجرد وسيلة لصرف مخصصات التدريب المرصودة لدى وزارة العمل، إلى عملية هادفة ومحددة الغايات في سبيل الإحلال والترقي ونقل الفرد من مستوى معيشي ومهني إلى مستوى أعلى، ولن يكون تحقيق ذلك ممكنا أبدا دون مشاركة أصحاب المصلحة الأكبر في التدريب وهم العمال عبر منظماتهم النقابية في صياغة وتنفيذ برامج التدريب، وحيث أثبتت التجربة أنه دون هذه المشاركة ودون الاتكاء على معايير العمل الدولية وخصوصا التوصية 159 وما تنص عليه من الحوار الاجتماعي وشراكة أطراف الانتاج في عملية تطوير الموارد البشرية، دون هذه المشاركة، فإن التدريب ليس أكثر من عنوان تردده الكثير من الإدارات دون تطبيق حقيقي يحول العنوان إلى واقع ملموس.كانت تلك فرصة أتاحتها لنا مشكورة جمعية معاهد التدريب الخاصة لتداول هذا الموضوع الحيوي بالنسبة لبلد مثل البحرين تكاد مواردها تعد لا شيء إذا ما قورنت بموارد جيرانها فيما عدا المورد البشري، وهي تتجه لتحول جديد لا نعلم مآلاته الأخيرة وفرصه ومخاطره، حيث هو ما زال في طور التجربة.لكن ما نعلمه جيدا هو أن القانون 19 لسنة 2006 بشأن أكبر المشروعات طموحا في تاريخ اقتصاد البحرين وهو مشروع إصلاح سوق العمل يمثل التدريب جوهره وخلاصته، وأنه مشروع يجب أن يـُدعم من الجميع ويحظى بفرصته الكاملة قبل الحكم عليه. وأن الرسوم التي ستحصلها هيئة تنظيم سوق العمل من أصحاب العمل سيقوم بتوظيفها صندوق العمل في تنمية وتطوير الموارد البشرية الوطنية، وأن المقياس الحقيقي لنجاح تنظيم سوق العمل هو عدد الذين سينجح صندوق العمل عبر إدارته لملف التدريب في السنوات القادمة من تحويلهم إلى عناصر منتجة قادرة وفاعلة في سوق العمل لتحل محل العمالة الأجنبية الماهرة في الوظائف ذات القيمة المضافة الأكبر. ودون تحقيق هذا الهدف، فإن إصلاح سوق العمل لن يكون أكثر من تحويل عمليات الترخيص اليدوي إلى عمليات أتمتة تنظم دخول العمالة الأجنبية، لكن دون انعكاس حقيقي على واقع العمالة الوطنية ومستقبلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق