الاثنين، 8 يونيو 2009

العربة الأخيرة بقطار الإصلاح 13/07/2008

منذ اللحظات الأولى في انطلاق قطار الإصلاح السياسي والانفراج الأمني كان لكاتب السطور عبر أكثر من مداخلة وفي أكثر من مناسبة التشديد على ظاهرة أصبحت في حكم الحقيقة التي لا تقبل سهولة الدحض وهي أن الإصلاح السياسي غالباً ما ترافق مع الليبرالية الاقتصادية. وأننا لم نشهد حتى الآن في أية تجربة جديرة بالتأمل عربياً أو دولياً تزامن الإصلاح السياسي ودمقرطة - أو شبه دمقرطة المجتمع - مع بقاء دور الدولة الاقتصادي بصفته المعهودة التأثير سواء في إدارة سوق العمل أو في قيادة الحراك الاقتصادي. يكاد يكون من المسلم به إذن من دون أدنى ريب أن الإصلاح السياسي وإطلاق الحريات العامة يتزامن مع تراخي قبضة الدولة على الاقتصاد وإطلاق يد الرأسمال ليقرر مصير القوى العاملة ولا نكاد نعثر على استثناء لهذه الظاهرة. بل إن مصطلح الإصلاح نفسه في أصله الإنجليزي REFORM لا يعطي للأسف المدلول الإيجابي نفسه في الحالين، فحيث يعني في السياسة والحريات المدنية المزيد من الحقوق للكثرة فإنه يعني في الاقتصاد المزيد من ترك العنان لتركز الثروات في يد القلة عبر حرية رأس المال وليبرالية السوق. مصريا مثلاً ترافق ''إصلاح'' ما بعد الناصرية المتمثل في ليبرالية سياسية خجولة قوامها السماح بحرية تأسيس الأحزاب وإصدار الصحف، ترافق ذلك مع تخصيص القطاع العام وانهيار الطبقة الوسطى وازدياد الفقر والمزيد من توحش الرأسمال. سوفياتيا أيضاً - وفي شرق أوروبا - تزامن عهد ''البيروسترويكا'' و''الغلاسنوست'' المتمثل في المزيد من الحريات السياسية مع انهيار دولة الرعاية وسقوط الفئات المهمشة، الفقراء وكبار السن ضحية انتهاء الخدمات المجانية وبروز ظاهرة هنود أوروبا الجدد التي مثلها الأوروبيون من درجة ثانية المتسكعين في شوارع غرب أوروبا بحثاً عن الرزق أو المتسكعات في شوارع الخليج بحثاً عمن يشتري المتعة مقابل الرغيف. في أكثر من شاهد إذن كانت الديمقراطية السياسية والمدنية على حساب الديمقراطية الاقتصادية. كان المزيد من توزيع حرية الكلام، الرأي، التنظيم، التعبير، والنشر يترافق دائماً من دون استثناءات مع المزيد من سوء توزيع الثروة والرفاهية. وحتى في إيران الخاتمية وعندما كنا نصفق لاجتهادات خاتمي مناصرين للحريات المدنية والفكرية، كانت الوجه المعتم الغائب عنا من الصورة هو أن خاتمي كان يبيع الناس الحريات بثمن باهظ وهو الصعوبات الاقتصادية وتحرير السوق، وحين جاء أحمدي نجاد مبشراً بالتشدد الفكري والمدني، قلب الصورة، إذ كان من الواضح أنه نصير الفقراء الذي ينادي بالمزيد من تدخلات الدولة الحمائية لصالح الطبقات الضعيفة. تلك هي القصة، حتى صار مشروعاً الآن التساؤل: أهناك خلطة مناسبة نستطيع فيها الحصول على عنب الحريات من دون أن نقتل ناطور دولة الرعاية والتدخل؟ لم تحسم المعارضة البحرينية طبعاً هذه الأطروحة ومن يقرأ خطاب المعارضة يسارية وإسلامية في مرحلة الزمن الصعب لا يكاد يجد خارطة الطريق لما تريده أو ما تستشرفه المعارضة من جدليات كان عليها أن تحسمها. ففي الوقت الذي كانت تنادي فيه المعارضة بإطلاق الحريات العامة في مشروع واضح تماما، قوامه تفعيل الدستور وإعادة البرلمان المنحل وهي أجندة الديمقراطية السياسية كانت من جهة أخرى، خصوصاً بعد خفوت الصوت الاشتراكي في العقد الأخير من القرن العشرين لا تدري ما الذي تفعله بمسألة الديمقراطية الاقتصادية والمتمثلة تحديداً في عدالة توزيع الثروة. لا ننكر أنه كان هناك طبعاً خطاب صارخ في مسألة مكافحة الفقر والقضاء على التمييز الطبقي وتوسيع دائرة الطبقة الوسطى لخلق الاستقرار، ولكن من الواضح أن مسألة الديمقراطية الاقتصادية أو ما يسميه عبدالناصر - بتصرف - ''تذكرة الرغيف'' لم يكن لدى المعارضة يحمل الأهمية نفسها التي تحملها ''تذكرة الانتخابات''. لذلك وحين جاءت مرحلة الإصلاح التشريعي والسياسي والانفراج الأمني كان لا بد للبحرين أن تمر بنفس ما مرت به تجارب أخرى ولا يمكن أن تكون البحرين بدعا في السياسة والاقتصاد. ومع أن مرحلة قانون أمن الدولة لم تكن قطعا جنة الله في الأرض اقتصادياً، لكن لا مراء في أن الأمن الوظيفي كان أقوى. وبالقدر الممكن من التيقن نرى أنه قد فصل في العقد الأخير من العمال ما يعادل من فصلوا لأسباب اقتصادية - لا سياسية - طيلة مرحلة قانون أمن الدولة.فها نحن وبعد أن انفض سامر الإصلاح السياسي ودخلت البلاد دورتها الثانية من التجربة النيابية بدأنا نشهد الهجوم الشرس على مكاسب دولة الرعاية وبدأ شعار ''قيادة القطاع الخاص للحراك الاقتصادي'' يدخل حتى في خطاباتنا كمعارضين أيضاً وليس كرسميين فقط. تكاد تتكرر قصة مصر وأوروبا الشرقية وغيرها ونحن الآن ننتقل ببطء وثقل ولكن باطراد باتجاه وضع تتقلص فيه دولة الرعاية، وتبتعد شيئاً فشيئاً عن التدخل الاقتصادي لترك الحرية لقانون العرض والطلب ليس فقط في السلع والخدمات بل في قيمة العمل أيضاً وخصوصاً في الجزء المعني بكلفة الأجر وعلاقته بالربحية. هذا التحول عماليا ليس وليد اللحظة. لقد بدأت نذره منذ 12 يناير/ كانون الثاني 2005 يوم انتهت أطراف الإنتاج الثلاثة من مسودة مشروع قانون العمل ليستلم مجلس التنمية الاقتصادية هذه المسودة ويعيد صياغتها بما يتناسب وحرية سوق العمل التي كانت يومها فكرة وليدة. وقد أجرى مجلس التنمية كثير التعديلات التي تراجع طبعا عن كثير منها فيما بعد لصالح بعض مرئيات الطرف العمالي أو قريبا منها، غير أن ما خص ليبرالية السوق لا زال من دون مساس. ونعني هنا تحديداً النص المحذوف على وجود حد أدنى للأجر يقرره ويراجعه دوريا مجلس الأجور الثلاثي الأطراف، والنص المحذوف على مجلس تشاوري ثلاثي الأطراف يدرس كل ما له علاقة بالعمل بما في ذلك التصديق على الاتفاقيات المعنية بالحقوق العمالية. وتكاملت حلقات الليبرالية الاقتصادية فيما بعد بتشريع تعددية الاتحادات وتقليص حرية الإضراب في قانون النقابات من خلال القرار 62 لسنة 2006 بعد تعديل في القانون خول الحكومة وحدها تحديد ما هي القطاعات المستثناة حق الإضراب. وعلى صعيد بعض الخدمات مثلاً لا حصراً شهدنا تحويل خدمة الإسكان إلى بنك عقاري خاص لا علاقة له ببنك الإسكان السابق الذي وفر فيما مضى الحلول الإسكانية لمئات الآلاف من أبناء الشعب. أوالآن ومع فصل عمال قطاع الاتصالات اليوم والتهديد بفصل عمال قطاع الطيران والحديث الخجول عن فصل عمال الألمونيوم نشعر أن وراء الأكمة ما وراءها في تعديلات قانون النقابات، بل لا نبالغ إذا ما قلنا أن قانون التأمين ضد التعطل على أهميته وفائدته قد وضع في إطار فلسفة ليبرالية سوق العمل التي كان مهندسوها لديهم من المعلومات - بما يتجاوز مجرد الحدس والتوقع - بأن الحاجة قادمة لا محالة للتأمين ضد التعطل حيث أجندة الخصخصة والإيكال والتدوير وتحجيم الموارد البشرية مليئة بأسماء المرشحين للفصل والتسريح ليصبحوا عالة على التأمين بعد فقدان أمنهم الوظيفي. هل فات الوقت لمواجهة هجمة لم نحسن توقعها ولم نولها حقها من الاهتمام كسياسيين واقتصاديين؟ لعل كلمة السر في مواجهة هذا الاستحقاق هي حشد الناس بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والعقائدية للدفاع عما تبقى من صبابة الإناء من دولة الحماية والرعاية وفي تحييد الجانب السياسي من الخلاف مع الحكم. فسواء مع دستور عقدي أم من دونه بل ومع مجلس تشريعي ذي صلاحيات أم من دونه سيبقى رغيف الخبز وحق العمل والأمن الوظيفي ومجانية الخدمات الحيوية قضايا نضال اقتصادي مرير، سنحسن صنعا لو فككنـــا عربتــــه من الارتباط بقطار السياسة وجعلنـــاه على رأس أولوياتنا بعيدا عن تجاذبات المعارضـــة والموالاة والرابح والخاسر في معمعـــة الانتخابات النيابيــة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق